الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

ترميم الثورة

بهيج وردة

يغلب على مشاريع التشكيلي السوري بسيم الريس فعل الحب وآخرها محاولته توثيق الثورة السورية بالفن 


حين سأله أحدهم في رسالة: «ماذا حصل بالجدارية السورية؟. أجابه: أصابتها قذيفة كما كل الجدران السورية، وأنا الآن أرممها». هكذا يلخص الفنان التشكيلي السوري بسيم الريس حال آخر مشروعاته الفنية. المشروع كان مقرراً أن ينجز بـ 14 لوحة تمثل كل منها مدينة سورية في الثورة، وأن تعرض في واحدة من الصالات الفنية في دبي أو الشارقة، حيث يقيم الريس. وقتها أفرغ بسيم المنزل من الأثاث وجمعه في غرفة واحدة، وارتدت حيطان المنزل عباءة خشبية صارت حامل اللوحة، وانطلق المشروع، لكن الزمن ونزيف الدم استهلك الوقت. فبعدما صارت شاشة التلفزيون ملاذاً محبطاً، آثر الفنان تعليق العمل على المشروع.


لكل شهيد لوحة

لم تكن (الجدارية السورية) عمله الأول خلال الثورة السورية. سبقها عمل آخر بعنوان (لكل شهيد لوحة)، جسدت كل الذين سقطوا في الفترة الأولى من الحراك الذي انطلق في 15 مارس 2011. بدأ مع محمود الجوابرة الذي سقط في درعا، لكن كما في الجدارية كذلك في (لكل شهيد لوحة) كان طوفان الدم أكبر من أن تستوعبه لوحة. لكن بسيم لا يترك الإحباط يتسلل إلى نفسه. دائم النشاط والفعالية، يتنقل من الاسكتش واللوحة، إلى القلم وشاشة الكمبيوتر، ومرات خلف الكاميرا، الآراء إيجابية كانت أم سلبية تدفعه للمزيد من الإنتاج.


على كل جدار لوحة 

في العام 2011 أطلق مبادرة لافتة حملت عنوان (على كل جدار لوحة). كان تقوم على فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، وهي الحب. أعلن من صفحته على فيسبوك عن تخصيص شهر كامل لاستقبال طلبات الراغبين بالحصول على لوحة من لوحاته. ما الدافع؟ الحب فقط. هكذا يجيب بسيم. لم يصدق البعض –كنت أنا منهم. فيما انهالت عليه الطلبات من آخرين لم يحلموا باقتناء لوحة. هاجمه البعض على فكرته، لكنه لم يبال وانطلق في فكرته بكل حب. وقتها اعتبر أن ما يقوم به هو رسالة حب إلى العالم. فتح صدره للعالم وصرخ: «أيها العالم أنا أحبك بكل تفاصيلك». وقتها أراد أن يسهم بدوره في تقديم أكسجين إضافي، فتفرغ للوحة وبدأ الرسم مع اللحظة الأولى لإعلانه. أي زائر لصفحته على فيسبوك يحب الحصول على لوحة من عمله كان كل ما عليه إرسال رسالة الكترونية وطلب اللوحة. ليس هذا فحسب. بل كانت اللوحة تصل إلى العنوان المختار الذي ترفقه في طلبك. طبعاً لم يصدق كثيرون حتى صارت اللوحة معلقة على جدرانهم. فيما البعض لا يزال يتساءل عن صحة هذا الكلام.

 

اختبار العطاء 

هل كان العالم مهيأ لفكرة تحمل هذا الكم من الحب. تسأله. «لم أجرب وقتها التأكيد، توقعت استجابة أصدقاء، لكن عملياً كان هناك أكثر من منحى»، ويضيف «في الأشهر اللاحقة وصلتني ردود أفعال من خلال الرسائل». من حاربك ولماذا؟. «بعض الفنانين حاربوني لأن السكيتش أهم ممتلكاتهم، لكني تخليت عنه معتبراً أن هذا اختبار حقيقي، لأن قدرة الإنسان بالتخلي لا بالعطاء فقط». ردود الأفعال على الصعيد الإنساني كانت مغرية لتصير التجربة دائمة لكن الدعم غير موجود، حيث كانت الفكرة تعيش على رأسمال الفنان الشخصي ودعم بعض الأصحاب اللوجستي، لكن توسيع الفكرة كان بحاجة لجهد مؤسساتي والتفرغ التام لفترة طويلة. الجهد المبذول كان موزعاً بين الرسم والتصوير لتوثيق كل لوحة وأرشفتها وإعطائها رقماً خاصاً، وبرمجة إرسالها إلى صاحبها، والتواصل مع الأصدقاء. وقتها كان ينتج ما يقارب 10 لوحات يومياً. وبرغم أن جزءاً من المشروع كان عرض اللوحات في مكان واحد إلا أنها كانت صعبة التحقيق، إضافةً إلى أن مشروعاً توثيقياً يتعلق بتتبع رحلة اللوحات إلى جدران أصحابها لم يبصر النور.

 

رسالة 

في أحد الردود التي وصلته؛ قال صاحب الرسالة «لم يهدني أحد شيئاً في حياتي، فكيف إن كانت الهدية لوحة! سأعلق لوحتك في أي مكان من جدران غرفتي لأن غرفتي بلا نوافذ». يصمت الريس ويبتلع نفساً عميقاً من سيجارته بعدما يخبرك القصة. بعد الحراك السوري نجحت لوحات بسيم في جمع موالين ومعارضين على طاولة واحدة. في الوقت الذي تزداد فيه المسافة حالياً. وصلت اللوحات إلى فلسطين، لبنان، السعودية، لبنان، أميركا، ألمانيا، مصر، كندا، الإمارات، وغيرها الكثير من البلدان لم تحضر في بال الريس عند الإجابة، لأن أكثر من 400 لوحة كانت قد غادرت مرسمه طيلة العام. كان مقرراً أن ينتهي المشروع خلال شهرين لكن الربيع العربي مدد المشروع وإنجازه كاملاً حتى يوليو من العام 2011، وحتى الآن يضم المرسم/البيت بضع لوحات تنتظر أصحابها. أما أبرز تطورات الفكرة فكان أن حملت اللوحة اسم صاحبها، وحجزت مكاناً على الموقع الالكتروني للفنان الريس www.rayyesart.com

 

الربيع العربي 

بعد 15 يوماً من بدء المشروع بدأ الربيع العربي من تونس، بادره أحدهم «إذا كان المشروع يستشرف المستقبل بربيع عربي، فأرجو أن تكثر من مبادراتك»، يضحك بسيم حين يتذكر هذه الحادثة. لكن هذا الربيع لم يفسح لهذه المبادرة مجالاً لتنال حظها بالاهتمام الإعلامي. لا يبدي بسيم أي أسف على هذه الحالة، معتبراً أن الربيع العربي انعكس على لوحاته التي يقول عنها: «لقد تحرر الخط عندي والشخصيات ابتعدت عن بعضها، لأن شيئاً من الداخل تغير، حيث كان ما يحدث خارج التوقعات بالكامل، وموجة ضربت كل الشطآن».

 

مشاريع فنية 

يعتبر بسيم الريس مشروع (على كل جدار لوحة) نقطة تحول على صعيد الفكرة. ومن وقتها بدأ العمل على المشاريع الفنية، بدلاً من التركيز على اللوحة كمشروع فردي فقط. إلا أنه يوضح «لا يمكنك أن تنتقص من حق اللوحة لأنها جزء من مشروع، لأنك في النهاية ترسم لوحة واحدة، وهذه مقولة لفاتح المدرس (إن الفنان يرسم لوحة واحدة طيلة حياته)، وبالنتيجة عندما ترسم وتكتب أنت ترسم وتكتب ذاتك، بمعنى كل ما تحمل من قيم وأفكار وتجارب. ولما تدخل اللوحة ضمن مشروع فني تصير كأنها موضوعة على سفينة وتبحث عن اتجاه ما»، إلا أنه يشكو غياب الدعم لمثل هذه المشاريع الفنية التشكيلية، ويشير إلى وجود العديد من المشاريع لديه، إلا أنها لا تخرج إلى حيز التنفيذ بسبب غياب الدعم، منها مشروع له علاقة بالزمن يبين فيه أهمية الزمن ويحكي عن مكننة الإنسان، حيث يوضح «نحن نستخدم الماكينة لنبقى أحياء وصار العكس هو الصحيح، وفي هذا المشروع سأتحول إلى أحد شخوص لوحاتي لمدة 3 شهور، لأقوم بهذه التجربة لكني بحاجة إلى المكان والكهرباء والمواد لا أكثر، وربما تتطور لتصير فيلمياً وثائقياً».

 

بداية 

لم يدرس بسيم الريس الفن التشكيلي في كلية الفنون الجميلة بدمشق رغم نجاحه في فحص القبول حائزاً الترتيب 16 من أصل 4 آلاف متقدم في مسابقة الدخول، وذلك لأسباب مادية، ويعود بالذاكرة إلى العام 1988 والوضع الاقتصادي حينها، إلا أنه يرفض تحميل العبء على الحالة الاقتصادية، معتبراً أنه فضل ألا يحمل العائلة أعباء مادية إضافية، واختار أن يدرس الهندسة الزراعية التي تخرج فيها لاحقاً.


علامات فارقة

  • الولادة في حي باب توما الدمشقي 1/1/1970.
  • وفاة الوالد الرسام 1976.
  • نجح في امتحان الدخول لكلية الفنون الجميلة 1988.
  • أول رحلة إلى أوروبا (ايرلندا) ومنها إلى الإمارات 2002.
  • جائزة الشارقة للإبداع العربي عن فئة القصة القصيرة 2009.
  • فيلم قصير (حدود الرمادي) 2010.
  • معرض تشكيلي بعنوان «ينمو بقربي جدار» في فندينيا غاليري- دبي 2011.

نشرت في مجلة (أرى) - تصدر عن مؤسسة دبي للإعلام،  العدد 72.


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة