الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

عن الفنان بسيم الريس ولكل شهيد لوحة ..

 عن الفنان بسيم الريس ولكل شهيد لوحة ..



د. خولة حسن الحديد - القدس العربي - 2011-06-23

هل يمكن للفن أن يكون حيادياً؟ والمقصود هنا الفن التشكيلي تحديداً. أليس الفنان إنساناً قبل كل شيء؟ وعندما حباه الله بموهبة فنية جعله أكثر من غيره قدرة على التعبير، مما قد يعني أنه الصوت الأعلى والصورة الأسطع لعكس الواقع بصورته الجلية أو برمزيته المتعددة الدلالات .
وعلى الرغم من كل دعوات 'الفن للفن' وتبني العديد من الفنانين العرب لهذه المقولة، فإن الفنان العربي المعاصر بقي ملتصقاً بقضايا أمته ومجتمعه، وكانت أعمال الكثير من الفنانين تؤكد مدى التصاق الفنان بالواقع وتفاعله مع ما يدور حوله، وتأكيد حقه في التعبير عن الملامح المختلفة لحياة الناس، وحقه بالتعبير عن نفسه، وعن مشاركته الاجتماعية والسياسية في مجتمعه من خلال عمله الفني الذي يشكّل الصورة الأمثل للتعبير في غالب الأحيان، وفي هذا السياق تحضر عشرات الأعمال الفنية التشكيلة التي تفاعلت مع القضية الفلسطينية سواء من أبناء فلسطين أو الفنانين العرب، كما ظهرت الأعمال التي عبرت وجسدت أزمات المجتمعات العربية ومآسيها من حروب وكوارث. وحتى المعتقلون الفلسطينون في سجون الاحتلال الإسرائيلي وجدوا لأنفسهم متنفساً في اللوحة والمنحوتة، واستطاعوا عبر فنهم توصيل صورة الفلسطيني وصوته إلى العالم كله .
كان لا بدّ من طرح هذه الأفكار عندما نتناول تجربة متميزة مثل تجربة الفنان التشكيلي السوري بسيم الريس، الذي استطاع مواصلة بحثه التقني وتطوير أساليبه في استخدام المواد والأدوات والرؤى الكامنة وراءها، مع احتفاظه بالقيم الإنسانية التي تظهر جلياً على مساحة لوحاته من خلال ملامستها لحياة الناس والقضايا الإنسانية عموماً. وبما أن التجربة التشكيلية لبسيم الريس تستحق القراءة بأكثر من وجه وتحتاج إلى وقفات متعددة قد تكون غير متاحة الآن، فإنها تستحق الإشارة إليها والتوقف عند بادرتين قام بهما الفنان تنبئان عن إنسانية وجمالية قل نظيرها.
أول مبادرة هي التي أسماها 'على كل جدار لوحة' وهي عبارة عن مشروع فني يقوم من خلاله بتقديم لوحة من أعماله لكل من يطلبها من أصدقاء شبكة التواصل الاجتماعي 'الفيسبوك' وغيرها ليعلقها على جدار صفحته، وضمن هذا السياق رسم بسيم عشرات وربما مئات اللوحات، وتحمّل في الغالب تكلفة شحنها إلى أصحابها في بادرة تكلفه الوقت والجهد والمال لكنها بادرة محملة برسالة إنسانية لا يمكن إلا أن تصل ولا يمكن لأحد أن يعترض طريقها، رسالة محملة بالجمال والفرح وبهجة اللون لتقول لنا: 'هذا فني لكم ولا أريد منكم شيئاً سوى أن تستمتعوا؟؟'.
البادرة الثانية والتي لا تقل جمالية عن الأولى هي تلك التي تحول الموت إلى حياة .. بادرة 'لكل شهيد لوحة' والتي بدأها بسيم مع سقوط أول شهيد من شهداء الحركة الاحتجاجية في سورية، ولا أعرف إن كان قد تسنى له مواصلتها بالزخم نفسه على اعتبار أن الشهداء أصبحوا في سورية على موعد في كل جمعة كما موعد أوراق الأشجار في الخريف، إذ أصبح عليه أن يضاعف أيامه وأسابيعه ليستطيع مواكبة قطار الشهادة السوري .
الشهداء رمز البطولة التي تجسدت في مشهد ملحمي لكفاح أهلنا في سورية من أجل الحرية، وتضحياتهم التي عمدوها بالدم، والشهادة حولها بسيم إلى لوحة تعبيرية صادقة لذكرى أليمة ستبقى خالدة أمام أعيننا كما في مخيلتنا، جسد الشهيد وصورته الرمزية التي تسيطر على مساحة العمل عندما نطالعها لأول مرة تحدث صدمة في نفوسنا، وتوغل في مشاعرنا وتخلق فينا حزناً لا نهائياً، لكنه ليس حزناً مألوفاً وعادياً بل هو الحزن الممزوج بالعزة والفخار لدرجة الحسد، والأمنية أن تكون أنت موضوع اللوحة وأنت صانع هذه الملحمة العظيمة، وقد أراد بسيم من هذا أن يجمع بين عظمة التضحية التي قدمها أبناء سورية وقوتها في وجه الجاني وديمومة هذا الفعل الذي يعمل على تقوية عزيمة الأهل وإرادتهم في المقاومة لكل أشكال الذل والمهانة، لذلك نرى الشهداء في لوحات بسيم يطلون بوجوههم باسمين بألوانهم الجميلة التي تضج بالحياة، وبعيونهم الكبيرة المفتوحة التي تلمع بالحزن والعتب والفخر والأمل معاً والاعتذارالخجول عن الغياب أحيانا أخرى، عيون حولتها اللوحة إلى معادل موضوعي للصوت والحركة والحضور الجسدي الحي ..عيون واسعة وما زالت تتسع لتقول إنها تقاوم المخرز بل قاومته فعلاً .. عيون استطاعت أن تكون كناية عن الجسد المغتال برصاص الغدر، والصوت المفقود الضائع في صدى الأيام السورية الحبلى بالموت والمفاجآت. كل لوحات الشهداء التي رسمها بسيم تتسع عيونها لتصل إلينا قبل أن نطالع أي شيء آخر في اللوحة. في بعض اللوحات يبرز جرح من رصاصة غادرة في القلب الطاهر من خلال نقاط قليلة من الدم وكأنها إشارة إلى وقف هدر الدم ...ولهذا أيضاً غاب اللون الأحمر عن اللوحات والذي يفترض أن يحضر بقوة كما نتخيل لأول وهلة، كما تحضر في بعضها الآخر قصة الحب الأزلية بين الأم وأبنائها فها هو الشهيد يعتذر لأمه عن تأخره وعدم قدرته على التزامه بموعد العودة إلى البيت، أو تناوله الطعام معها، أو التزامه بتعليماتها، لكنه يطمئنها بأنه سعيد وهو يهيم في فضاء واسع من الشفافية غالباً لا يظهر لنا فيه إلا وجهه الذي يؤكد عليه أكثر وهو يسبح في عالم من الخلود الأبدي بعد أن توزع دمه الطاهرعلى طريق الحرية، فوق أرصفة شوارع المدن السورية وتراب حقولها.
تكاملت العناصر الفنية والأشكال والمساحات اللونية في لوحات الشهداء لتؤلف مجاميع تتمايل و تضج حركة، ولتترك في مخيلتنا وضمائرنا عيوناً واسعة تلاحقنا بأسئلتها وأملها وخلودها في بانوراما لونية تختلط فيها مشاعر الحقد بمشاعر الحب والقسوة بالعطف، وعندما تمعن الفكر وتستحضر الضمير بشدة في هذا المجاميع تكتشف فجأة أن القيم الأخلاقية والإنسانية التي كبرت في وجداننا وروحنا بدأت تتهاوى وتتحلل وتفوح منها رائحة العفونة وشتى أنواع القبح الإنساني، وفي الوقت نفسه نتساءل: أين الفنانون السوريون وفراشيهم وألوانهم؟ أين عشرات بل مئات المراسم والأقلام السورية المبدعة؟ أين اختفت؟ لماذا ظهر المثقف السوري بهذا العري الفاضح؟ ماذا تنتظرون؟ في هذه اللحظات العصيبة نحتاجكم .... لا نريدكم فيما بعد .. لا نريدكم بعد انتهاء عرس الدم السوري. نحتاجكم الآن جميعاً، نحتاج ألوانكم الزاهية التي قد تقلل من هول الأحمر وفظاعته الذي لم يعد لون الحب بعدما أنكروه في سورية الحبيبة.. لن نقول لكم عارضوا النظام ..ولا أيدوا النظام ..لن نقول لكم إلا كونوا معنا كما كان بسيم بفنه وفرشاته وعباراته الممهورة أسفل كل لوحة ..خلف كل شهيد لتكون علامات وشواهد .. علامات تشكل سيميائية بليغة لتوثق الحاضر بجمال فائق وتحول الموت إلى حياة، وتخلد الشهيد الذي أنار لنا درب المستقبل .. شواهد ليست سوى بعض منّا ..بعض من أجسادنا وأرواحنا التي توزعت على امتداد الوطن لتبقى خالدة ويبقى الوطن السوري خالداً وهو الأجمل والأغلى.

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=data201166-2323qpt894.htm

‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة