الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

فنان وكاتب سوري يرى أن المواطن سبق المثقف والفنان في حسه ورؤيته لحدود المستقبل

 

فنان وكاتب سوري يرى أن المواطن سبق المثقف والفنان في حسه ورؤيته لحدود المستقبل

بسيم الريس: القصة القصيرة تقول بمفرداتها ما لا تستطيع اللوحة وصفه

جمال القيسي - الغد - 2011/11/15

ذهب الفنان والقاص بسيم الريس إلى أنَّ كل لغات العالم، من لغة الجسد وحتى اللغة الصوتية وإلى اللغة البصرية، لا تستطيع أن تصف أيَّ حدث بشكل كامل، وتعبر عنه بدقة، وتوصل إحساسه إلى المتلقي.
ويعتقد الريس، وهو سوري من مواليد دمشق العام 1970 يقيمُ حاليا في دولة الإمارات العربية المتحدة، أنَّه يجبُ على الكتاب والفنانين الالتصاق بالشارع، لأنه هو وحده الذي يمدهم بالمادة الملهمة لعملهم، ومنه يستقون موضوعاتهم، وإليه تكون أهدافهم ونظرياتهم.
والريس الحائز على جائزة الشارقة للقصة القصيرة، يرى في حوار مع "الغد" أنَّ المواطن سبَقَ المثقف والفنان في حسه ورؤيته لحدود المستقبل القريب والبعيد، كما أظهر أنه قوة كامنة لا يمكن لأحد أن يتلاعب بها مهما عظمت درجات قوة الآخر المهيمن. وتاليا نص الحوار:

• كيف يجب على الفن أن ينحاز لألوان الحياة؟ وما الذي أردت قوله وكيف في الجدارية السورية الأربع عشرية؟

- برأيي يجب حذف كلمة كيف هنا وسيكون السؤال والجواب معاً (يجب على الفن أن ينحاز لألوان الحياة)، فلا يمكن للفن أن يعبر عن كينونته إذا انفصل إلى فضاءات لا تمس الحياة، وأقصد هنا حياة الإنسان بالتحديد؛ فهو بالنسبة لي الحامل الأساسي لكل منتج إنساني وبقية الأشياء هي إكسسوارات في فضائه.
كيف لفنان أو كاتب أو شاعر لديه قرن استشعار يستطيع أن يلتقط به ما لا يراه أو يسمعه الآخر وأن يقترب أكثر من حقائق الأمور ولا يكون مغموساً بالحقيقة؟!. الحقيقة التي لها وجه واحد وأحياناً تكون موزعة على الجميع، وخاصة عندما تتعلق بحق شعب يعاني الاستبداد والقمع على مدار سنوات طوال.
مع بداية العام 2011 شعرت بأن هذا العام سيكون مختلفاً تماماً عمّا سبقه وبدون أن أعرف كيف ومتى وأين، كان لدي شعور بأن الكراهية استفحلت بهذا العالم، فأقدمت على مبادرة "على كل جدار لوحة"، تقول هذه المبادرة إذا رغبت باقتناء عمل فني كهدية لهذا العام فما عليك سوى أن تبعث برسالة على إيميلي وسيصلك العمل الأصلي إلى بيتك، هذه المبادرة صنعت دهشة لكل من سمع بها، وقربت اللوحة من المشاهد واعتبرت الأولى من نوعها على مستوى العالم، ثم بدأ العالم بالتغيير وبدأ الربيع العربي، حتى إنني رأيت أن العالم قادم على ما استطيع تسميته "الثورة العالمية الأولى".
وبدأت الأحداث العظيمة بالتتابع حتى بدا الحدث فيها فعلاً اعتيادياً، ومن كثرة الأحداث بدأنا نفقد الدهشة، من هنا أتت فكرة الجدارية السورية الأربع عشرية، لتكون توثيقا لحظويا للشعور الناتج عن تراكم الأحداث من خلال مراقبة ما يجري، حتى أصبح ما يقال اليوم لا يصلح للغد، الجدارية السورية هي تطوير لمبادرة قمت بها بعنوان "لكل شهيد لوحة" ولكن لتعاظم عدد الشهداء، انتقلت المبادرة لتكون الجدارية السورية الأربع عشرية؛ أقوم منذ أشهر بالتحضير لهذه الجدارية مع فريق عمل من الأصدقاء (ميادة العظم، فاتن حمودي، خولة حسن الحديد، عائد قزعور، رامي توما)، وكل منّا له مهمة معينة لإنجاز هذه الجدارية، فأنا أقوم بالرسم وآخر بالتنسيق والمتابعة والتمويل وآخر بالتغطية الإعلامية وآخر بالتصوير والتوثيق وآخر بتجميع المواد اللازمة والإخبارية لأهم الأحداث وآخر لإنشاء وبناء الموقع الإلكتروني، وهي عبارة عن أربع عشرة جدارية بقياس الواحدة 3.5x2.25 متر وبمساحة إجمالية 115 متر مربع.

• هل تقول اللوحة التشكيلية ما لا تقوله القصة القصيرة، وأيهما أشد وقعا وتأثيرا في مجموع أحلام الناس؟

- برأيي أن كل لغات العالم (من لغة الجسد وحتى اللغة الصوتية وإلى اللغة البصرية) لا تستطيع أن تصف أيَّ حدث بشكل كامل، وتعبر عنه بدقة، وتوصل إحساسه إلى المتلقي، فمن يستطيع أن يصف ألم امرأة تبكي ابنها وهي تحتضنه ونافورة دماء تنبثق من رأسه من جراء رصاصة قناص؟!، قلتها سابقاً بأنه في الأزمات يتعطل جزء من الدماغ، لذا وجب على اللغة أن تكون سهلة وبسيطة كي تستطيع أن تعبر سيالات المعلومات بسهولة بين الأفراد المتعرضين لأزمة ما، كأزمة الموت الجماعى الناتج عن الاستبداد.
القصة القصيرة تقول بمفرداتها ما لا تستطيع اللوحة وصفه، وأحياناً تكون اللوحة أكثر تعبيراً من القصة في التقاط لحظات لا تستطيع القصة سردها، اللوحة والقصة أدوات تعبير أستخدمها عادة بالتناوب وأحياناً بالتوازي والجمع لوصف ما لا يمكن وصفه.
اعتقد -ولأن اللغة البصرية لغة لها مفرداتها التي كانت بعيدة عن المواطن في الشارع العربي- بأن القصة حتى الآن تمتلك قوة وتأثيراً أكبر وخاصة عند تناقلها بين الأفراد والحديث عنها، لأنها مكتوبة بالعامية أو الفصحية، واللوحة تروي قصة محكية بلغة مختلفة تماماً (لغة بصرية تشكيلية بحتة).

• يقول إدوارد سعيد "إن مهمة المثقف تعكير صفو السلطة"؛ برأيك الى أي حد على المثقف العربي الانحياز إلى بياضه لينشر بقع ضوئه في سواد الثوب العربي الذي لطخه السياسي؟

- بالمتابعة للسؤال الأول، فقرن الاستشعار الذي يميز المثقف والفنان، يوصله إلى مسافات أقرب من الحقيقة التي يخافها كل السياسيين، هذه الحقيقة التي تعيد ترتيب أوراقهم التي لعبوا بها للسيطرة على جميع مراكز القوة، وبالتالي السيطرة على الشعب الذي كان يقول دائماً (لا حول ولا قوة إلاّ بالله) ، حتى فوجئ هذا الشعب بأنه يمتلك أيضاً الحول والقوة.
ليس من (واجب) المثقفين والفنانين، بل "يجب" عليهم الالتصاق بالشارع لأنه هو وحده الذي يمدهم بالمادة الملهمة لعملهم، ومنه يستقون موضوعاتهم، وإليه تكون أهدافهم ونظرياتهم؛ فالمواطن في الشارع العربي هو الأهم، وأعتقد بأنه الآن قد أظهر المواطن في الشارع العربي بأنه هو من يمتلك قرون الاستشعار التي بها أدرك أن زمن التغيير قد بدأ.
وبهذا يكون المواطن قد سبق المثقف والفنان في حسه ورؤيته لحدود المستقبل القريب والبعيد، كما أظهر أنه قوة كامنة لا يمكن لأحد أن يتلاعب بها مهما عظمت درجات قوة الآخر المهيمن، فالشعب عندما يتكلم على كل القوى أن تصمت وتسمع وتنفذ ما يقول، لأنه هو الأدرى من خلال مجساته باختيار الطريق الصحيح الذي يريد؛ ولأنه في كلتا الحالتين هو من يدفع ضريبة الطريق، إن كان كذلك فليكن إذاً الطريق الذي يختاره هو وليس الطريق الذي أُختيرَ له من قبل بعض المتسلقين على كراس السياسة.

• كيف تقرأ سيرورة تقدم الفن والابداع العربي في ظلال الربيع الحالي وإلى أي مدى سينعكس على فنانينا ومبدعينا مستقبلا؟

- إلى الآن لم أشهد أي تحول جذري في الفن، لربما الوقت ليس كافياً بعد لإحداث هكذا تغيير، فالمهم الآن هو تغيير النفس البشرية وإعادة الثقة لها وبقوتها، الكل يكلم نفسه الآن ويعيد ترتيب ذاته حسب قدراته، البعض تحرر جزئياً من أعباء الماضي الثقيل، والبعض ما يزال يرقب ويترقب الفرصة للتحرر.
لا فن ولا إبداع بدون حرية إطلاقاً، فأولا على الفنان أن يكون حراً من داخله وهو أصعب أنواع التحرر، وثانياً أن يكون حراً بتعاطيه مع مفاهيم الحياة، فعلى الصعيد الشخصي وفي الآونة الآخيرة بدأت أشعر بأن الشخوص في لوحتي بدأت تتحرر من خطوطها التي كانت تأسرها، واللون استقال من وحدته وانطلق إلى عوالم الحياة، لأن الأمل كبير وكبير جداً، وأعتقد أننا سنعيش عالماً مختلفاً تماماً عن العالم الذي عشناه في السابق، فلنكن مستعدين بأدواتنا كافة لاستقباله.

• الى أي حد تؤثر غربة الفنان والمبدع على فكرة الوطن في أعماله، وهل سينحصر احيانا كفنان ومبدع كوني في إطار الجغرافيا الضيقة مهما اتسعت؟

- الإنسان محاصر بذاكرته، وصراعه دائماً مع ذاكرته الأولى التي بناها في بلده الأول، في الغربة يكبر الوطن ويتضخم، في معارض سابقة عملت على فكرة " الجدار"، "ذاكرة الزمان على المكان - الجدار"، "على كل جدار لوحة "، "على الجدار"، "ينمو بقربي جدار".
بعد هذه الأعمال تغير مفهومي للجدار من كونه حاضنا للذاكرة ومخزنا للأحداث على ملمسه وسطحه، إلى كونه حاجزا فاصلا بين المفاهيم والجغرافيا والأفراد ويزيد من عزلتهم، إلى مفهوم الجدار الزمني، فبتطور التكنولوجيا تهدمت الجغرافيا، وأصبحت البلاد بدون جدران ولكن بنفس الوقت بني جدار لم ينتبه إليه الكثيرون وهو الجدار الزمني، فالمعلومات متاحة لك بشكل لحظي وفي كافة المجالات، وما عليك سوى أن تأخدها.
وهذا أدى إلى سباق مع الزمن، مما أدى بدوره إلى وعزلة الفرد بالرغم من اتصاله الافتراضي مع العالم الخارجي، فالمكان لم يعد سوى ذاكرة، يقدم لك شحنة روحية أو قد يسلبك إيَّاها، وهنا تكمن قدرة الفنان في التغلب على صعوبات المكان بالاعتماد على ذاكرته المكانية أو شعوره بها.
الغربة تكسب الإنسان ثقافة جديدة وتعزز لديه انتماءه لوطنه الأم، فعلى الإنسان المغترب والفنان خاصة الاستفادة من هذه الثقافة الجديدة، وتسخيرها لبناء تجربته الخاصة التي تعتمد على طبيعة حياته في بلده الأم وفي الغربة.


http://www.alghad.com/index.php/article/510911.html

 

‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة