الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

طفولة

طفولة 1

الساحر

يعتقد الطفل الصغير أنه ساحر كبير، بعدما اكتشف أنه يستطيع أن يخفي العالم كله وقت يريد، يغمض عينيه فيختفي كل ما حوله، يفتح عينيه فيعود كل شيء كما كان.
في طريقه للبيت، يخفي حاوية القمامة على باب بيته بغمضة عين... ثم يخفي " أبا مفيد " جارهم في الحي الذي يضرب زوجته كل يوم صباحاً ومساءً، وأيضاَ بغمضة عين... يخفي باص النقل الداخلي سيء السمعة بعدما رأى ما يحدث بداخله من انتهاكات... يخفي شرطي المرور المرتشي... وبعض اللوحات الإعلانية وصور جميع المطربين والمرشحين... يخفي تلك الصيدلية التي دعت عليها أمه بالعمى، لأنها لم تستفد من الدواء الذي اشترته منها لمعالجة ألم الشقيقة...
أصبح متشوقاُ للنوم وقدوم الصباح، لإخفاء أستاذه في المدرسة، الذي شتمه ونعته بالأهبل، وبأن كل الفقراء هبل... وبأن هذه المدرسة ليست لأمثالهم، عليهم فقط ان يكونوا زبالين وحلاقين وحمالين وعمال عاديين فقط... واجبهم أن يخدموا من وجدوا لخدمتهم.
يذهب في الصباح لمدرسته متلهفاً كي يخفي معلمه الظالم من الوجود، يغمض عينيه فيختفي الأستاذ طويلاً في عالم أسود، لم يعد يدرك بوجوده إلا من خلال صوته الرنان وزعيقه المستمر غير المفهوم، ويسمع همهمات زملائه وضحكاتهم المستترة، بعدها أخذ صمت مفاجئ يسيطر على المكان...
ليصعق بصفعة على خده تجعله يفتح عينيه على حقيقة أخرى، وتجعله أيضاً يكبر خمس سنوات أخرى...

*****     *****     *****


طفولة 2
خيال

يرسم الطفل ما تعلمه في درس الجغرافيا من حدود الوطن العربي... أخذ يرسمها مرات ومرات... وإذ به يكتشف أن الشكل يشبه حيواناً أليفاً له رأس وجذع وأرجل... دهش من اكتشافه وأخذ يوزع الدول على جسد هذا الكائن، ليحفظ أماكنها عن ظهر قلب.
في الصباح يدخل معلم الجغرافيا القاعة ويسأله:
- : أين تقع اليمن؟.
يجيب الطفل بعفوية وبسرعة، وكأن ما سيقوله بدهي ومعلوم من الجميع.
- : في أسفل يده الأمامية.
ينظر المعلم إليه مندهشا،ً ويقول باستغراب:
- : في يد من يا أهبل؟... هل أنت غبي؟... ويضحك ضحكة ساخرة...
يضحك التلاميذ ضحكة ساخرة طويلة أيضاً إكراماً لمعلمهم...
من وقتها والطفل يكره الجغرافيا والأساتذة وكل الكائنات على الأرض...

*****     *****     *****

 


طفولة 3
ورقة نعي

عاد سريعاً إلى المنزل وسأل والدته بنبرة قوية :
- : أمي….أكان والدي مؤمناً ويحب الله؟...
- : لماذا هذا السؤال الآن؟...
- : أجيبيني؟.
- : نعم، ولكن لماذا تسأل؟... (رحمه الله وأطال بعمرك).
ثم نام الطفل في تلك الليلة سعيداً وهو يحلم بوالده ولقائه.

وكان مساء وكان صباح

أخذت تصرفاته تتغير وكأنه ينتظر أحداً ما.
ومضت عشرة أيام شعر خلالها بالملل... ذهب بعدها لوالدته وسألها:
- : أمي؟...
- : ماذا تريد؟...
- : عندما يموت الإنسان المؤمن متى يعود ثانية؟...
- : يعود؟… إلى أين؟... ولماذا تسأل!؟...
- : لا شيء... لا شيء فقط كنت أسأل...
أجابها كمن يريد أن يخفي بما يعرف، كي يفاجئ الجميع.
- : يا ولدي... الأموات يذهبون لجانب ربهم ولا يعودون أبداً...
عندما سمع جواب والدته، دمعت عيناه وتوجه لسريره... ولم يستطع النوم في تلك الليلة وهو يفكر...

وكان مساء وكان صباح

وفي الصباح خرج من المنزل مسرعاً باتجاه المدرسة، وتوقف عند لوحة الإعلانات في الطريق، ليقرأ ما كتب بأعلى ورقة النعي السوداء الملصقة على الحائط،
" من آمن بي وإن مات فسيحيا "،... وبحركة سريعة أخذ الورقة من على الحائط... طواها ثم وضعها في جيب بنطاله... وذهب مهرولاً إلى مدرسته...

وكانت مساءات وكانت صباحات

ولم يعد الوالد إلى البيت... وبقي الولد ينتظر...

*****     *****     *****

 


طفولة 4
ثلاثة عصافير بحجر


عصفوران عاشقان أعلى شجرة الحور... وعصفور حاسد أسفلها أخذ يراقبهما بحذر شديد.
من بعيد وعلى جانب الطريق كان الطفل الصغير يراقب العصافير الثلاثة بحذر أيضاً.
يغط العصفور العاشق على الأرض ويلتقط وردة حمراء حارة...
بينما العصفور الحاسد يبدأ بشحذ منقاره على غصن بجانبه...
يدنو الطفل الصغير بهدوء من الأرض، ويلتقط حجراً أسود كان بجانبه.
العاشق يقدم وردة لحبيبته...
يطير العصفور الحاسد بالقرب من العاشقين... يرمقهما بعين غاضبة.
تغرد العصفورة العاشقة فرحة وتتلقف الوردة بمنقارها جيداً.
يجن جنون الحاسد لرؤيته العاشق يحاول تقبيل العصفورة العاشقة على خدها.
فيقفز عن غصنه ويطير كسهم باتجاههما... ويغرز منقاره المشحوذ في صدر العاشق.
فتسقط من صدره نقطة دم حمراء حارة
تجفل العصفورة من منظر عشيقها المطعون، وتغرد مستغيثة...
فتسقط من فمها الوردة الحمراء الحارة
بسرعة كبيرة... يستغل الطفل الصغير اقتراب العصافير مكتشفاً مكانها - بعدما سمع تغريدها - ويطلق حجره الأسود بسرعة كبيرة.
فتسقط العصافير الثلاثة
في المساء... يكون الموعد مع القدر... حيث يأخذ الطفل بإعداد وجبة شهية من صيده الثمين... فيختار لعشائه عصفورين ويبقي على واحد... إنه حتماً العصفور الحاسد


ثلاثة أحجار بعصفور

يستيقظ الطفل الصغير باكراً، ويضع العصفور الحاسد في حقيبته الصغيرة ويتوجه إلى مدرسته مسرعاً.
أثناء الاستراحة يتفق مع أصدقائه أن يبدؤوا لعبة " الحجارة الثلاثة " فيسرع أحدهم ويجعل ثلاثة حجارة فوق بعضها البعض... وبشكل خاطف يخرج العصفور من حقيبته، ويرمي به الحجارة الثلاثة محاولاً إصابتها كي تقع أرضاً...
بلحظات أصبحت لعبة كل التلاميذ... وكل بدوره، يقذف بالعصفور ليوقع الحجارة... ولكن دون جدوى.
فالحجارة الثلاثة، أبت أن تقع أرضاً، تكفيراً عن ذنب صديقهم الحجر الأسود، وعقاباً للعصفور الحاسد أيضاً...


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة