الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

ريح

ريح المتحول

*ريح: شخصية متنقلة في الأمكنة... متبدلة بين الأزمنة... لا يقف بوجهها جدران ولا تستوقفها حدود... لا يميز ريح بين الآن أوالأمس أو الغد... أو بين هنا وهناك... ولا يعنيه إن كان طفلاً أو عجوزاً أو امرأةً... أو أصبح حجراً أو أرنباً أو شجرةً...هو هكذا يشبه الجميع...


أجدبت الدنيا وأقفرت، وأصابها محل شديد.
جاع صاحبنا "ريح" جوعاً عظيماً بعدما أكل كلّ ما في منزله... بل بعد أن أكل كلّ منزله، خرج باحثاَ عن طعام.
فريح هذا يحب الحياة ويرفض أن يموت جوعاً.
ـ : لا شيء يؤكل... كان هذا نتيجة بحث دام ثلاثة أيام.
بعد يومين جاع ريح... وبعد ثلاثة أيام جاع ريح كثيراً، وشعر بشيء ينهش جسده... تفاقم جوعه بشكل عظيم... عندها تحول ريح إلى قط جائع، تائه في متاهات أزقة المدينة، يبحث عن قطعة لحم صغيرة، أو فأرة أضاعت أمها... لكن دون جدوى.
في اليوم التالي، جاع ريح القط أكثر، فتحول لفأر صغير توفيراً في الطعام، عندما علم أن القط يأكل بشراهة...
بحث ريح الفأرة الصغيرة عن قطعة جبن، عن حبة قمح... أيضاً دون جدوى.
وبعد يومين، جاع ريح الفأر، فقرر أن يتحول إلى صرصار، ألا أنه عدل عن رأيه سريعاً متحولاً لنملة، لعلمه بالكسل والخمول الذي يصيب مجتمع الصراصير أثناء بحثهم عن الطعام...
دخل ريح النملة، جحور النمل أصدقائه الجدد، وتجول في دهاليزها، فوجدها خاوية، فارغة، وكأن النمل قد هجرها باحثاً عن مكان آخر...
مضت أيام وليالٍ في بحثه غير المجدي، عن حبة قمح، أو شعير، أو بقايا من روث لحيوان ما... قرر عندها صديقنا ريح النملة التحول إلى فكرة... لأنه أبى أن يموت جائعاً، وأراد أن يكون خالداً...

*****     *****     *****

 

أحـــلام ريحيّة

 

عاد إلى مدينته بعد طول غياب بحقيبة فارغة، ورأس يعج بالأحلام والأفكار، راغباً بتحقيقها فور وصوله...
مضت شهور ريثما استقر حاله وتآلف مع المدينة التي بات لا يعرفها ولا يعرف كيف سيمضي بقية عمره فيها...
قام ونام... وقف وقعد... فكر بوسيلة للعيش... يذهب بسؤال ويعود بدون جواب... وتمر الأيام...
قرر ريح أخيراً أن يعمل صحفياً، فهي مهنة الشجاعة... ثم عدل عن رأيه فوراً، بعدما علم أن الصحف تنتهي بيد عمال النظافة أو تحت أطباق الطعام...
ثم قررأن يعمل رساماً، فهي مهنة المبدعين... ولكنه سرعان ما غير رأيه بعد أن علم بأنه سيأكل اللوحات التي سيرسمها بعد الأنتهاء منها...
أعجبته فكرة الكتابة... فقرر أن يصبح أديباً... بعد لحظات توقف عن قراره لأنه رأى الكثيرين ينقعون أوراق كتاباتهم ويشربون ماءها...
ومرت الأيام... وتقلصت الأحلام... وشوهد صاحبنا في أحد أزقة المدينة القديمة، يجر أمامه عربة برتقال منادياً بصوت عال... ومبشراً بقدوم موسم العنب.

*****     *****     *****

 

ريح السجين... ريح السجّان

 

نعم... سألتهمُ كل ما لديك... ضع الطعام هنا واخرج... ولا تنسَ أن توصد باب الزنزاتة وراءك جيداً... وطبعاً كعادتك ستفعل كل ما أطلب منك.
أنتم هنا لخدمتي رغماً عنكم... حياتي غالية عليكم، تطعمونني بأمرمني، وتخدموني بأمر مني... سآكل كثيراً طوال الوقت... وستخدمونني كثيراً طوال الوقت.
تستمتعون بتعذيبي... بقلع أظافري... بسلخ جلدي... لا يهم، سآكل حتى الحجر، وسأعيش لتخدموني... أو... أطلقوا سراحي...
هذا ما جال ببال ريح العجوز في غرفته الصغيرة، عندما كان ينظر إلى طائر اليمام داخل القفص، وكيف كان السجين وأصبح السجّان؟!.
وتذكر كيف استطاع أن ينتزع حريته بذكاء.
كيف يمكن لهذا الطائر أن يكرر ما فعلتُه منذ عشر سنوات؟!... قال ريح في سره.
فالطائر جائع بشكل دائم... عطشان بشكل دائم... وريح لم يعد يستمتع بمنظره على هذا النحو في القفص... فهل أصبح خادماً له ؟!!...
بعد عدة أيام أطلق ريح الطائر، وأعطاه حريته وتخلص من متاعبه... علم حينها أن التاريخ يكرر ذاته دائماً...

*****     *****     *****


ريح... آخر الباقين


بعدما عجت الأرض بمخلوقاتها، واكتظت بقاطنيها، وزاد عدد روادها من كل الأجناس والأعراق والأديان والمذاهب... وبعدما أغرقوها بأفكارهم ومفرزاتهم، وبعد أن أصبح عدد سكانها ستة مليارات وواحد، فُتح باب التسجيل في جمعية للانتحار الجماعي، تخفيفا لآلام وعذابات قاطني هذه الأرض...
أعلمنا موظف الأحصاء - التابع للجمعية – أن عدد المنتسبين وصل تماماً إلى ستة مليارات، ويبقى شخص واحد فقط لتكتمل النسبة إلى مائة بالمائة...
...وما زال البحث مستمراً عن هذا الشخص غير المنتسب لهذه الجمعية...


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة