الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

بديل حلم

بديل حلم

" الرجل الذي تمنى أن يكون له منزلً كبيرً عالٍ وذو لون أزرق "


يضع قدمه اليسرى في مياه البحر الزرقاء عند الشاطئ ويبدأ المسير... تتقدم موجة من بعيد وتهدر بجانبه قائلة:
ـ : ما بالك أيها الرجل؟.
ـ : أنا حزين... نكس رأسه وتقدم خطوة أخرى نحو عمق البحر.
ترد الموجة متسائلة بسرعة عن سبب حزنه، قبل أن تتلاشى على الرمال، فيضيف:
ـ : عندما كنت في العاشرة من عمري تمنيت أن يكون لي منزلً كبيرً عالٍ ولونه أزرق، ولأن أعداء بلادي اتخذوا اللون الأزرق رمزاً لهم، حظر علينا تداوله... ومنعنا من استخدام هذا اللون، وبقي الحلم يراودني...
يتابع الرجل تقدمه بخطى متثاقلة... وترتفع المياه لتغطي ركبتيه...
تتقدم موجة ثانية متسائلة عما حدث له بعد ذلك، فيردف قائلاً:
ـ : في العقد الثاني من عمري أصبحت أمنيتي أن يكون لي منزلً كبيرً عالٍ على إحدى التلال... لكن حلمي بترت نهايته، لأن التلال والمرتفعات في بلادي قد أصبحت مُلكاً للمسؤولين والأغنياء، وأصبحت متنزهات لهم ولأولادهم...
وركب الحلم حصاناً جامحا بأجنحة كبيرة.
تتباطأ خطوات الرجل بفعل مقاومة الماء...وتغطي مياه البحر ساقيه كاملاً.
الموجة الثالثة تأتي مباغته وقوية، تجعله ينقبض ويتابع:
ـ : ولما بلغت الثلاثين، اشتد الفقر واستفحلت البطالة... ولم يعد بمقدور الرجال فعل شيء سوى النوم مع زوجاتهم وإنجاب الأطفال... وهكذا ضاقت بلادي بقاطنيها، وصغر المكان علينا... وأصاب حلمي وأمنيتي مرضٌ عضال أشبه "بالغرغرينا"، فسقط من أمنيتي المنزل الكبير، وأصبحت " أتمنى أن يكون لي منزل" فقط...
وتحول الحصان المجنح إلى طائر.
يتوقف الرجل عن تقدمه لفترة... بينما تغطي المياه سرته.
وينظر للموجة الرابعة التي بدت له دامعة، مبحوحة الصوت... ثم يتابع:
ـ : في عقدي الرابع غزاني اليأس، وأخذ مكانه في صدري، فلا عمل... ولا قوة للعمل... وأجور لا تكفي عيشة يوم... وثمن منزل في بلادي بسعر الأسطول السادس قد سكن المرتفعات مع المسؤولين والأغنياء... واستفحل المرض وأخذ ينهش حلمي، حتى سقط المنزل، وما بقي هو: " تمنيت أن يكون لي "... فما كان لي... وتفاقم المرض وقرض الجملة البسيطة المتبقية فأصبحت " تمنيت أن يكون ".
وأصيب طائر حلمي برصاصة في صدره.
يسرع الرجل في تقدمه نحو عمق البحر، حتى غطت المياه حلمتي صدره.
تقفز الموجة الخامسة عالياً ماسحة دمعة أخذت طريقها على خده... ثم يكمل:
- : وبقيت حتى الخمسين من عمري، على أمنية العقد الأول، وماتت لدي الرغبة في التمني... وأخذ المرض يفترس ما تبقى مني...
وسقط طائر الحلم ميتاً.
ترتفع مياه البحر لمستوى رأسه... عندها أخذ يسبح مجدفاً بكلتا يديه... متقدماً نحو الأعمق...
ـ : وأنا الآن في عقدي السابع وأريد أن أرتاح... وما زلت أحلم بتحقيق أمنيتي... لهذا أنا حزين.
يصمت البحر فجأة... وتتوقف الشمس للحظات عن حركتها... تسكن الرياح لبرهة مذهولة مما تسمع... وعلى نحو مباغت، تأخذ الأمواج بالاشتداد وتتلاطم ناثرة دموعها على شواطىء الأرض كلها، حزناً على الحلم المقتول... وتهدر بصوت عالٍ، مرحبة بالرجل الضيف.
يفتح البحر صدره، ويقدم نفسه " منزلاً كبيرأ عالياً وذا لون أزرق " كبديل لحلمه الضائع.
اعتقد الرجل أن رأسه هو الشيء الوحيد الطافي فوق سطح البحر، ليفاجأ برؤوس عديدة طافية فوق المياه... كانت قد اغتيلت أحلامها فاستقبلها البحر كبديل حلم.


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة