الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

صديقي القط

صديقي القط


إقناعهم بما رأيت باء بالفشل، حيث لم يصدقني أحد ولم يأخذ بكلامي أيٌ منهم، ففي الوقت الذي حاولت إنقاذ صديقي من محنته الغريبة، عرضت نفسي لتهم وشبهات كثيرة تمس رجاحة عقلي ورزانة تصرفاتي، والتي بدت كأنها معجزة أو كأن الطبيعة أخذت تعيد تشكيل ذاتها مرة أخرى لتصهر كائناتها ببعضها وتعيد صياغتها من جديد.
- : " كيف ذلك؟... لا بد أن الرجل قد جنّ أو أصابه مسّ بدماغه ليهيئ له أشياء غير ممكنة الحدوث، على الأغلب إنه متحامل على صديقه ويريد الإساءة له، فمذ عرفناه كانت صداقتهما واضحة... من المؤكد أنها الغيرة من الشهرة التي نالها صديقه الفنان همام هي من جعلته يطلق هذه الأكاذيب عليه. "...
هذا ما كنت أسمعه من أهل القرية في الآونة الأخيرة لغياب صديقي.
وها أنا الملوم والمدان، وها أنا أقع ضحية ما اقترفه لساني من سرد للمشاهد التي رأيتها فيما بعد، والحقيقة الوحيدة التي صدقوها ولم يجدوا تفسيراً لها، هي اختفاء ذاك القط الأسود ثم ظهوره المفاجىء.
إلى قارئ هذه الرسالة - عسى أن تصدقني - فبعد أن فقدت الأمل بإيجاد من يأخذ بروايتي هذه، كتبت هذه الرسالة لتكون شاهداً على الحقيقة من بعدي، وسنداً على براءتي من جريمة لم أقترفها، وإن وجدت تعليلاً لما ستقرؤه الآن، فأرجو مساعدتي على تبرير ما حصل، أو فلتعد الورقة لمكانها.
لا أعرف موقعك بالتحديد، ولكن حتماً ستكون إما بجانب ضفاف بحيرة الهوى عند آخر مجرى نهر اللوز هذا، أو على نقطة ما على حافة النهر... أما أنا فموجود بقرية تقع على عكس اتجاه مجرى نهر اللوز حيث وجدتَ الزجاجة التي وضعتُ رسالتي بداخلها، القرية محاطة بأشجار اللوز على امتدادها، يطلق على قريتي اسم "البلاطة"... إن رغبت بمساعدتي اسأل عن... المجنون...
تميزت البلاطة قريتي والقرى المجاورة لها، بالبحث عن أشخاص مميزين من أهلها، تؤنسهم وتملأ أوقات فراغهم بالحديث عنهم..
ففدوى المرأة الجميلة المطلقة المكتنزة الصدر، تحولت بنظرهم إلى عاهرة لمجرد أنها التقت صدفة عند نهاية الطريق الشمالي للقرية وفي إحدي ليالي الخريف، أحد شبان القرية ويدعى " نضال الثور" والموسوم بذكورته الفائضة وأن أية فتاة لا تسلم منه طالما هي على مرمى بصره...
وها هو " أبو جاد " قد غدا شاعر القرية وزجّالها... فمنذ عودته من الخدمة الإلزامية وقبل زواجه من ابنة عمه... تفوه ببيتين من الزجل في عرس أخيه فأصبح جليس كبار القرية...
وأما " أبو جليل " الأعرج، بطل القرية وحامي حماها... وعرجه هذا كما يدعي من صراعه مع ضبع في أحد الوديان الذي دام يوماً كاملاً انتهت بسلخ جلده طبعاً.
وهكذا كان الحكيم والحكواتي والفنان والشحاذ...
ما ميز قريتي خلوها من مجنون يسخرأهلها منه ويتقاذفونه بالمسبات والشتائم، أو يستخدمونه لأعمال السخرة، أو لنشر خبر ما في القرية... وغدا البحث عن المجنون ضرورة ملحة.
وبات كل رجل منا متخوفاً أن يصبح هو الشخص المرتقب، فغدا الجميع مؤدبين، تصرفاتهم متزنة وكلماتهم مدروسة، وكثرت اجتماعاتهم وحديثهم عن رجاحة تفكيرهم... وحكمتهم في التصرف وسداد رأيهم.
أرجو أن لا تكون ملولاً وترمي بالرسالة غير مهتم، فأنا مضطر أن أشرح وأبين طبيعة أهل القرية، وإن لم ترغب بالمساعدة، فأرجو أن تعيد الرسالة لداخل الزجاجة الفارغة التي بين يديك الآن... وأحكم إغلاقها... وارمها مجدداً بمياه النهر، عسى أن أجد من يساعدني...
على كل سأتابع:
ما ميزني أنا شخصياً أن صديقي همام هو نحات القرية، وعلاقتي القوية به أكدت للجميع رجاحة عقلي واتزاني، وزاد من احترامهم وتقديرهم لي تلك الأشكال الطينية التي كان يبدعها، والمثيرة للدهشة والإعجاب، حيث كنتُ أجمع له الصلصال من قاع هذا النهر، وبدوره يحولها لتماثيل صغيرة لوجهاء القرية.
أعرف أن كل ما أقوله قد يبدو عادياً وغير ملفت، ولكن حكايتي تبدأ من هنا :
تلك الحادثة التي وقعت... وكنتُ الشاهد الوحيد عليها، قلبت كل الأمور والموازين، حيث أتى لأحد رجالات " البلاطة " قريتي، ضيف أقام عدة أيام، وكان بصحبته قط أسود، جسيم، غريب الأطوار، وكالعادة اهتم أهل القرية بالضيف، وتتالت عليه العزائم والسهرات.
هذا القط الأسود لفت انتباه الجميع، فارتعابه من كل شيء حوله، وخوفه من كل ما يقع عليه نظره، بدا غريباً ومثيراً للريبة.
فتراه تارة على حافة إحدى الأسطح مختبئاً، أو فوق عمود كهرباء، وتارة أخرى يتسلق شجرة باسقة متخفياً عن الأنظار، وكيفما نظرت إليه لا ترى سوى نصف جسده الأسود وعينيه الحذرتين الخائفتين البراقتين...
اهتاج فضول صديقي همام لمعرفة ما يكنه القط الأسود بداخله، وبهدوء شديد أخذ يلاحقه بنظراته أينما يذهب، خشية أن يثيره فيهرب منه، وبدوري كنت أراقب الاثنين معاً.
ما حدث كان منتصف الليلة الخامسة لقدوم الزائر مع قطه الأسود، كان ليلتها القمر بدراً ولضوئه تألق...
توجهت لمنزل صديقي راغباً في إكمال ما تبقى من سهرة الليل بصحبته، أخذت الزقاق الطويل وكان هادئاً... في منتصف الطريق، عند إحدى الممرات الفرعية، وجدت همام واقفاً متصلباً في مكانه يرنو للأعلى، ضوء القمر ساعدني على رؤية ما ينظر إليه... وإذ القط الأسود الخواف... متسمر على حافة سطح أحد المنازل، يرمق صديقي بعينين براقتين.
ازداد زمن الصمت بينهما وبدا المشهد رائعاً... صديقي والقط... وقتئذ لم أعد أرى غير عيونهما... عينان باحثتان مستكشفتان، مقابل عينين خائفتين حذرتين.
فجأة انتصب ذيل القط عالياً ووقف شعر جسده الفحمي وأطلق مواءً عظيماً كمن يطلق نداء أخيراً أو كمن يعلن عن بدء معركة، وقفز باتجاه صديقي الذي بقي ثابتاً دون حراك يرمق القط بشيء من التحدي...
لحظات بدت كأنها ساعات، اقتربت عيناهما أكثر فأكثر حتى تلامستا... عندها اختفى القط الأسود تماماً...
رأيته... أقسم أني رأيته، دخل صديقي من خلال عينيه، واختفى داخلهما واستقر في رأسه، ومن المؤكد أنه لم يهرب... ولم ينشب بينهما أي صدام أو عراك، ولو فعلها وانهزم لرأيته، وما أكد لي هذا هو حال صديقي الذي بقي واجماً فاتحاً عينيه بصمت... والذي فر هارباً حين شعر بوجودي قربه بعدما هرعت لنجدته.
في الأيام التالية كان البحث عن القط جارياً من قبل أهل القرية، إكراما لضيفهم الذي قرر الرحيل متيقناً أن قطه قد هجره ليكوّن أسرة بعيداً عنه.
أثناءها ترددت بإفشاء السر (ما رأيت)، ومن الذي سيصدقني ويأخذ كلامي على محمل الجد، حتماً سوف ينعتونني بالخبل والجنون، فكيف لقط أن يدخل رأس رجل ويستقر به، هكذا بدون جرح أو خدش واضح في وجهه.
أخذت أبحث عن وسيلة تنقذني وتنقذ صديقي لأخبرهم بما رأيت.
حزمت أمري بإخبار مختار القرية عن التغيرات التي تطرأ على همام وكيف غدا خائفاً مذعوراً، حذراً من كل ما يحيط به... لا يرغب بالتكلم مع أحد... نظراته تراقب بحذر شديد... وبات في الآونة الأخيرة يحب المكوث في الأماكن المرتفعة والخطرة أحياناً.
هبّ أحد الحاضرين بمجلس المختار قائلاً:
- : نعم... رأيته مرة يصعد برج الحمام شمال القرية، فنهرته وحذرته من السقوط ، لكنه رفض وتابع بلا مبالاة.
قال آخر:
- : وأنا أيضاً شاهدته يهرب من كلب القرية فزعاً دون سبب.
بدا الجميع مندهشاً لما سمعوه، وأخذت أساريري تنفرج لمحاولتي إقناعهم بمساعدة همام دون أن أثير حنقهم عليّ.
وتابعت مسترسلاً: ألا تلاحظون هذه التغيرات في تصرفاته،؟... هل تعلمون أني رأيته مرة يأكل قطعة لحم نيئة كانت مرمية بجانب بيته.؟...
- : ماذا يعني هذا الكلام؟... قال أحدهم.
- : يعني... هل تقصد أنه تحول إلى ...؟
وبدأت نظراتهم نحوي يغزوها شيء من الشك، بعدما رويت، لهم وقائع الحادثة.
اعتكف صديقي همام في منزله، غير راغب في رؤية أحد... وأغلق كل نوافذ منزله، وترس بابه جيداً، وسد طاقات المنزل كلها وأبقى على فتحة صغيرة أعلى جدار غرفته... أخذ يراقب أهل القرية منها بمساعدة سلمه الخشبي الطويل.
ازدادت نظرات الشك نحوي وبدا وكأن رجال القرية قد وجدوا ضالتهم وتحولت إلى المجنون، بعدما عللوا ما سمعوا مني لمزاجية الفنان وحبه الاعتكاف وحيداً، بعيداً عن الضوضاء... واستطال كلامهم لإدانتي بتحاملي عليه وإجحافي بحقه وحتى بغيرتي منه.
ازداد الهمس والغمز عليّ... ووقعت بالمصيدة...
السيد قارئ هذه الرسالة، ما حدث بعدها لا يقل أهمية، فبغضون عشرين يوماً، تحولت إلى مجنون وتحول صديقي إلى قط.
في هذه الأثناء، فاحت حول منزل صديقي همام ( حيث لم يعد يأتيه أحد) رائحة جيفة نتنة، منفرة، مما استدعى أهل القرية لاجتماع عاجل تناقشوا فيه قضية عزلته والرائحة المنبعثة من منزله... قرروا بعدها اقتحام المنزل...
بضربة جماعية كسرنا الباب، دلفنا جميعاً إلى الداخل، وإذ بهمام مرمي على الأرض جثة هامدة بجانب سلمه الخشبي... وأغرب ما رأيناه هو ذاك القط الأسود، الذي أخذ يدور ويحوم حول جثة صديقي... وفر هارباً من فتحة الجدار بعدما رآنا.
أكثر ما أثار حنقي ليس اتهامي بالجنون، بل اتهامي بقتل صديقي همام... وأصبحت القاتل المجنون...
سيدي:
إنهم يدخلون زنزانتي الآن للتحقيق معي... لن استطيع الإطالة أكثر...
ان رغبت بمساعدتي فأنا بداخل سجن القرية المطل على النهر...
اسأل عن المجنون القاتل...


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة