الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

أوبرا الأغنام الجائعة

أوبرا الأغنام الجائعة


المكان : بقعة ما على سطح الأرض... ولتكن داخل الصحراء مثلاً...
الزمان : مفتوح على امتداد التاريخ
الحدث : قصة مستوحاة من عين القمر
الأبطال : الراعي : المؤلف الموسيقي
الكلب : المايسترو
الكبش : ضابط الإيقاع
قطيع الأغنام : الكورال

عند بزوغ أول شعاع للشمس وغياب آخر ضوء للقمر يطلق كبش القطيع ـ كعادته ـ ثغاءً عالياً يعلن فيه عن بدء المسير، يتردد صدى صوته في الصحراء ليوقظ الراعي الغافي على فراشه الصوفي الدافئ والناعم... يقف الراعي ويقلب رداءه الأسود المشغول من صوف الغنم على وجهه الآخر، كي تقيه حرارة النهار كما تقيه برد الليل... الوبر من الداخل والجلد للخارج... يتنكب الرداء ثم يرتشف قليلاً من الحليب من قربة جلدية تلازمه بشكل دائم حيثما حل...
يأخذ بالمسير بخطى وئيدة أمام حشد كبير من قطعان الغنم، بينما صوت نباح الكلب يوقظ من تبقى من الاغنام الغافية لينظمها في أرتال وأنساق... ولتبدأ رحلة البحث في عمق الصحراء القاحلة عن مخرج أو واحة أو مرعى، ليريح القطيع من تعب السفر المتواصل وليوقف تقدم الجوع الذي أخذ ينمو بينها...
فمن صوفها وفي أكثر الليالي برودة وأشد النهارات حرارة كان قد حاك الراعي رداءه الوثير الدافئ، وتركها تنام في العراء حليقة الجسد... فالمسافات طويلة... والاتجاهات كثيرة... والطرق في الصحراء لا تنتهي... برد قارص في الليل، وحرارة تنسلخ فيها الأبدان عند الظهيرة...
يسير الراعي بخفّه الجلدي الذي صنعه من جلد إحدى الغنمات، تاركاً أثر أقدامه خلفه كدرب ليستدل عليها الكبش البدين المترهل الذي يخبو مطأطئاً رأسه بإيقاع منتظم وبقرنين كبيرين تداخلت تلافيفهما بشكل عشوائي لتفضح عجزه وكبر سنه...
بينما الكلب المرقط بالأسود والأبيض والذي يسيل لعابه بعد كل نباح، يحشد بقية الأغنام المتأخرة عن القطيع بدورانه المستمر حولها.
وتمر ساعات في مسير اعتيادي ورتيب نحو المجهول... الشمس تأخذ بالارتفاع ببطء... وحرارة الرياح تلفح الأجساد العارية والصحراء مفتوحة الأفق ...
بعض الأغنام أخذت تخور بأصوات متباعدة ومتفرقة وهي تسير بتثاقل متزايد، كإشارة لجوع أخذ يتفاقم بعد مسير عدة أيام دون مأكل... فحتى الأعشاب البرية اختفت من هذه البقعة القاحلة... ثقتها براعيها ذهبت أدراج الرياح بعد تأكدها بأنها دائماً تسير في الاتجاه المعاكس، واعتقادها بأن هدفها دائماَ وراء ظهرها، بدا واضحاً من خلال خوارها المتزايد مع كل يوم رحيل.
تجوع الأغنام ولا تأكل شيئاً...
يشعر الراعي ببعض الجوع... يتوقف... ينظر خلفه... يرمق بعينيه الصغيرتين القطيع الجائع... يستل خنجره المثلم من تحت ردائه... يمسك بإحدى الغنمات التي بدأت بالخوار أولاً، يذبحها على مرأى من الجميع... ثم يلتهمها كاملة.
نباح الكلب الجائع لا يسكته سوى بقايا عظام يرميها الراعي خلفه.
والكبش الكهل ما يزال يطأطئ رأسه خلف الراعي بغير اكتراث.
تشتد الحرارة أكثر، وتصبح رمال الصحراء لاذعة... حتى لتكاد تقفز الأغنام خلال سيرها على حوافرها كي لا تلامس وهج الرمال الحارقة.
تشعر الأغنام بالعطش، فتلعق أجسادها المتعرقة بألسنتها المتدلية على فكها الأسفل من شدة اللهاث .
يعطش الراعي فيخرج من جعبته قربته التي تلازمه دائماً ليرتشف ما تبقى من حليب اعتصره من أضرع بعض النعاج...
يعطش الكلب... فيشرب بول الراعي الذي اعتاد على تخزينه في وعاء جلدي خاص ليقدمه للكلب عند الضرورة...
تخور الأغنام الجائعة مجدداً، وتطلق أصواتاً مبعثرة... معلنة عن جوع أعظم.
وتمضي ساعات النهار بطيئة بمسير طويل على درب لا نهاية له...
في أول الليل وبعد أن اعتدلت حرارة الرياح ... يشعر الراعي ببعض الملل والجوع... يتوقف... يرفع يده للسماء ويعلن بإشارته المعهودة بنايه الخشبي عن نهاية المسير لهذا اليوم...
يمسك بقبضته إحدى الغنمات، ويأمرها بصوته الأجش بالرقص والغناء له أمام الجميع، كي يكسر رتابة الرحلة، وكي يمتع نفسه بعد عناء يوم طويل وقاحل... بيد أنها ترفض وتحاول الفرار من بين ساعديه... فيستل سكينه سريعاً ويمسك برأسها من ناحية العنق ويذبحها فوراً، فترقص الغنمة في مكانها ألماً... يأخذ الراعي نايه الخشبي ويبدأ العزف...
وحالما استكان جسدها هامداً على الأرض التهمها كاملة.
على بعد أمتار يقف الكلب منتظراً حصته من العظام بعينيه الخائفتين ولسانه المتدلي طويلاً على جانب فمه ...
يبقى الكبش مطأطئاً رأسه للأعلى والأسفل بانتظام دون توقف وبحركة مستمرة كأنه ناقوس الخطر أو رقاص الساعة في الصحراء، أو لعله يعطي إشارة بالرفض تارة وبالموافقة تارة أخرى على ما يحدث لغنماته...
يأخذ القمر مكان الشمس في منتصف السماء، وتشتد البرودة القارصة، يستل الراعي نايه الخشبي من تحت ردائه الدافئ، ويأخذ بعزف موسيقى مشتّتة غير منتظمة بأصابع مرتجفة تعبر عن ضياعه وتوهانه.
يتوقف لبرهة وينظر بعينيه الغائرتين حول المكان ودون أن يحرك رأسه، وكأنه يدرك في سره أن الذئاب " أو لعلها الذئاب " تحوم من كل الجهات، ثم يعاود لعبه على نايه بخوف واضح... في هذه اللحظة تخور الأغنام بصوت منخفض وبشكل مبعثر، وتمتزج مع صوت الناي... يرفع الراعي صوت نايه بنفخات قوية تعطي النغمات قوة أكثر لتعزز من ثقته وتكسر صمت الصحراء... تأخذ الأغنام برفع خوارها أكثر وبشكل أكثر تناغماً لتتوحد مع نغماته... وهكذا يستمر الحال لدقائق حتى يبدأ الحفل الموسيقي...
في هذه الأحتفالية الموسيقية كل اللاعبين خائفون من بعضهم، الأغنام تخاف من الراعي، والكبش يخاف من الكلب الذي يخاف من الراعي... والراعي يخاف من الأغنام وتمردها، ويخاف من هروب الكلب أو موت الكبش... ويدخل الخوف والجوع في حلقة مفرغة...
يخاف الراعي فيتحول خوفه إلى جوع... ينقض على غنمة ويبتلعها... وهنا ترفع الأغنام صوتها الأوبرالي ذعراً...
يجوع الكلب... ينظر للراعي بعين حذرة وخائفة، ثم ينقض على غنمة ويأتي عليها.
يرتفع خوار الغنم أكثر ويتناغم حتى يصبح أوبرا صاخبة، جائعة، متوسلة، يطغى على نباح الكلب وصوت ناي الراعي.
الخوف الذي يتحول إلى جوع يسير بحلقة مفرغة داخل الراعي الذي يخاف... يجوع... يأكل غنمة... والغنم ترفع صوتها مستغيثة... الكلب في نباح مستمر، والكبش المايسترو يطأطئ رأسه بإيقاع... وتتناقص الأغنام.
وللحظات... تصمت كل الدنيا لأوبرا الأغنام الجائعة.
فجأة...
تلتف الغنم الهائجة حول الكلب المسعور... تنظر لعيون بعضها... ثم تنقض عليه وتلتهمه مع عظامه... ليسجل التاريخ لأول مرة تحول الأغنام لكائنات لاحمة.
يزداد خوف الراعي أكثر... ويزداد جوعه لدرجة الألم في المعدة ... يقفز على غنمة... يذبحها ويلتهما...
تبرق عيون الغنم في ظلام الصحراء، بعد أن حجبت غيمة سوداء عابرة ضوء القمر في السماء.. في هذه اللحظة... تتجمع الأغنام تدريجياً حول الراعي مواصلة غناءها الذي وصل أشده... وتلتف حوله كزوبعة، مثيرة رمال الصحراء حولها... تدفعه برأسها ليصبح في مركز القطيع لتحاصر من كل الجهات، عندها تبدأ بنهش لحمه ببطء حتى تأتي عليه كاملاً مع ردائه الوثير...
ترفع الأغنام رأسها عالياً عندما تسمع صوتاً قوياً قادماً من السماء أشبه بصوت الرعد، ثم تتابع مسيرها وغناءها وحيدة في طريق طويل لا أفق له...
بينما الكبش المايسترو يسير أمامها مطأطئً الرأس كعادته.


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة