الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

قطع... لصق...

قطع... وصل...


دخولي السريع بقالة أبي ياسين، لم يزعجني، ولكنه جعلني أكتشف أنني نسيت نفسي في مكان ما.

الجو غائم اليوم ...أو لنقل الحياة غائمة منذ فترة... وقدومي بعد غياب عشرين عاماً من أرض النار ورائحة البارود وأصوات المعارك، جعلني أنسى درب منزلي وشكل وجوه أهل حيّنا... أو على الأقل هم من نسوا وجهي ولم يعد يتذكرني أحد.
خلو غرفتي من الطعام جعلتني أخرج لأول مرة من البيت بعد طول غياب... بدا الحي مختلفاً ولونه أكثر سواداً.
دخلت بقالة أبي ياسين مسرعاً، بابها الخشبي ظهر لي أكثر قدماً وهرماً كصاحبه وككل أهل الحي، وقد بدت عليهم آثار الحرب، كان أبو ياسين على الجهة الأخرى من طاولة البيع يسجل بعض الحسابات على دفتر يكاد يكون بعمره، رميت التحية عليه وسألته عن بعض الأطعمة...
لم ينظر إلي مباشرة... أخذ يجول بعينيه في كل الاتجاهات، ليرى من أين أتى هذا الصوت، نظر مستغرباً وتبدو عليه الدهشة... وقفت قبالته مباشرة وأشرتُ بيدي مردداً السلام مرة أخرى، في هذه اللحظة انتصب أبو ياسين واقفاً، الذي أخذت وفاة ولديه في الحرب تأخذ خطوطها على وجهه، نظر من خلالي ومن حولي ليتأكد من مصدر الصوت... عرفت للحال أنه لم يستطع رؤيتي.
أيعقل أنه أصيب بالعمى جراء الكوارِث التي تتالت عليه؟... سألت نفسي وأنا ألتفت حولي باحثاً عما ينظر إليه، تبددت مخاوفي للحال بعد دخول أبي أحمد (جارنا القديم)، وطلبه لبعض الحاجيات، وقبل خروجه سألته عن حاله فلم يجبني... وكأنه هو الآخر لا يراني، وكأنني شبح يجول حولهم، وهذا ما أخافني كثيراً، أخذا ينظران من خلالي وكأن لا أحد غيرهما بالمكان...
خرجت في الحال مسرعاً مذعوراً، نظرت إلى نفسي من خلال إحدى الواجهات الزجاجية فلم أجدني، تلمست نفسي وكل أعضائي ولكنني لم استطع أن أرى نفسي من خلال الزجاج... سرت في الطريق أفكر أين أضعت نفسي.
بعد ساعات من المسير والتفكير واذ بي وسط المدينة، ذظرت للبعيد فوجدت على الرصيف المقابل كومة من الأيدي المتراكمة فوق بعضها، هرعت مسرعاً واخترت فردتين من الأيدي يمنة ويسرة بعمر بعضهما، تبدوان لشاب صحفي بترت يداه على ما يبدو لأنه أغضب بكلماته البعض، أخذتهما وسرت في زقاق آخر... على بعد أمتار مني وجدت قلبا مرمياً على الأرض مازال ينبض بالحياة، يبدو أنه قلب عاشق هجرته حبيبته في لقائهما الأخير... فرمى قلبه ورحل، أخذته ووضعته داخلي على الجهة اليسرى، وتابعت...
عند الساحة الرئيسة للمدينة وجدت تلة كبيرة من الرؤوس المتراكمة فوق بعضها كأكوام البطيخ. اخترت رأساً أبيضَ بعينين زرقاوين وشعر أسود، بدا الرأس لشاب ملامحه ليست غريبة وكأنه لأحد المخرجين المسرحيين الذين عادوا بأفكار جديدة من البلاد البعيدة عن الحرية والديمقراطية، أخذت الرأس ووضعته فوق رقبتي وسرت...
أثناء تجوالي في الأزقة، وإذ بساقين قويتين بعضلات ملفوفة، مرميتين بجانب إحدى أكوام الركام، على الأغلب هما ساقان للاعب كرة قدم بترتا لخسارته في مباراته الأخيرة... وضعتُ الساقين تحتي وأخذت أهرول من مكان لآخر...
من إحدى اللافتات الطرقية المترامية على كل الأماكن لمرشحين جدد، مزقت قطعة بيضاء وجعلتها ملبساً لي، ومن ورقة نعي كانت ملصقة علي جدار متسخ لأحد المتوفين الجدد اخترت بعض الأحرف وجعلت منها اسماً لي ثم عدت مسرعاً...
دخلت ثانية بقالة أبي ياسين ورميت السلام عليه... وقف منتصباً وردّ السلام بحرارة، وسألني عن طلباتي بعدما نظر إلي بتمعن...
بصمت اخترت أطعمتي وخرجت مبتسماً...


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة