الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

أبو كرسي

" أبو كرسي "

جائزة غانم غباش للقصة القصيرة - تقديرية / 2009

الحي القديم عام 1973 – الساعة السابعة صباحاً :
"... يطرق باب البيت بقوة، تدخل مجموعة من الجنود... يحملون جدي من كتفيه وهو يجر قدميه وراءه على الأرض... يضعونه بركن البيت... يرمون على الطاولة بعض الأوراق الخاصة بالمستشفى العسكري، وبضع قطع معدنية لا قيمة لها، ويدسون بيد جدي ظرفاً وورقة ملفوفة كشهادة تقدير... ثم يخرجون دون أن ينبسوا ببنت شفة... بعد ساعة تقريباً، يتناول جدي الأوراق... يحرقها ويدخن سيجارة من نارها. "...
نفس الحي الآن :
...." لا يمكن أن ننتظر طويلاً، فجسده المهترئ لا يتحمل حرارة الصيف القائظ، ولم يبق سوى ثلاث ساعات لينتصف النهار وتشتد الحرارة... الأفضل أن نقطعه إرباً، أو نفكك أجزاءه ونضعه بجواره في النعش، فهي الطريقة الأسرع والأفضل، قبل أن يتعفن الجسد وتفوح رائحته، فإكرام الميت بسرعة دفنه... ونكون قد نفذنا وصيته وحققنا أمنيته."....
تحت نواح ودموع النسوة في باحة البيت، هذا ما ارتآه والدي خلال نقاشه مع إخوته لحل معضلة - وصية جدي - التي بدت مفاجِئة وقديمة بنفس الوقت، فلطالما ذكر رغبته في دفن كرسيه معه بعد وفاته... ولطالما لاحظنا تدهور حالته منذ مدة... حجة والدي كانت أن الوفاة كانت خاطفة - رغم علمنا بدنوها - وصانع التوابيت يحتاج يومين على الأقل لتفصيل واحد يتسع للاثنين معاً، فلا بد من اتخاذ قرار سريع يحفظ هيبة العجوز ويقينا كلام الآخرين وشماتتهم.
- : ولكن وصيته أن يدفن كرسيه كاملاً معه لا أن نقطعه.... يقول عمي الأكبر.
- : وما الفرق طالما لن يستخدمه في قبره بعد الآن... يجيب عمي الأصغر.
يشتد وطيس الجدال بينهم تاركين النسوة خارجاً يهيئن مراسيم الجنازة ويطلبن المساعدة من الجارات.
أخرج من المنزل مسرعاً، حاملاً أوراق النعي ودلواً صغيراً فيه محلول النشاء، والدموع تذرف من عينيّ.
ألصق على باب بيتنا الأزرق ورقة نعي بشكل أنيق، ثم أطليها بطبقة أخرى من النشاء، وأشق طريقي لبداية الحارة، كي أعلن للجميع عن وفاة جدي...
الحي الذي نقطنه شارع طويل يعج بالمحلات الصغيرة، ويكتظ بالباعة المتجولين لأرخص أنواع المواد البلاستيكية، وتنتشر على أطرافه بسطات الخضار واللحوم والألبسة، ويتفرع عن أطراف الشارع عدة حارات مخصصة للسكن فقط... ما يزال جزء كبير من بيوت حيّنا بدون كسوة "على العظم"، أبوابها معدنية صغيرة ملونة ومهترئة، وشبابيكها قصيرة تكشف أصحابها من الداخل، والاستدلال على المنازل من ألوان الأبواب وبعض الإشارات والعبارات المرسومة بشكل عشوائي من قبل الصبية، بعد عودتهم من مدارسهم، فعند مدخل كل حارة يتحول أقرب جدار للشارع العام ليصبح لوحة إعلانات كبيرة... وصور لمرشحين من المدينة البعيدة... أو ملصقات لحفلات ليلية يقيمها مطربون من الدرجة الأخيرة... أو أوراق نعي لآخر من نفقده من سكان حينا جراء مرض عضال، أو حادث سير أليم، أو استشهاد في معركة...
أضع النشاء على الجدار وألصقُ أول ورقة نعي ...
- : ماذا؟... مات " أبو كرسي " ... له.. له.. له.. رحمة الله عليه، يقول أحد المارة وهو يحرك يديه بحسرة واستغراب وينظر لصورة جدي للتأكيد... ثم يذهب وهو يرطن بكلمات لا أفهمها.
" أبو كرسي "... هذا ما يطلقه أهل الحي على جدي فاضل، بعد محاولات كثيرة باءت بالفشل لإقناعهم بأن اسمه " أبو شاكر"... وكأنهم مقتنعون بأن الأسماء تُأخذ من أشكال أصحابها، وليس بما يرغبون بأن نطلق عليهم... وغدونا نحن أبناء وأحفاد " أبو كرسي ".
والكرسي الخشبي المزعوم أزرق اللون، بأربعة أرجل طويلة، وذراعين عاليين يربطهما حاجز خشبي متين، وبطن من القش يدعوه " السرج "، لازم جدي طويلاً، كان هدية صديقه ليلة زفافه، وضعه بركن البيت ليجلس عليه في المناسبات، إلى أن أصبح ملازماً له كظله، بعدما حلت به تلك الكارثة التي أدت بساقيه لشلل دائم، حيث اعتبر جدي بطل حرب بعدما طًُلب للاحتياط في حالة نفير عام للقوات... ذهب بساقيه لقطعته العسكرية السابقة... انفجر لغم أرضي به... ثم عاد بساقين مشلولتين.
أُلصقُ ورقة نعي أخرى على جدار آخر في حارة أخرى....
- : رحمك الله يا " أبا كرسي "... مَن سيبيع البطيخ مِن بعده يا بني؟... يسألني أحدهم وهو يرمش بعينيه ويزّم شفتيه للأمام كإشارة حزن.
كبائع بطيخ في الشارع العام قضى معظم وقته... ففي النهار يبيع المارة وهو جالس، وفي الليل ينام على كرسيه بجانب أكوام البطيخ المتبقية... فقوة ساعديه التي اكتسبها من رمي هذه الكرات الخضراء، مكنته من أن يجعل الكرسي عكازاً يساعده على المسير.
اخذ الخبر بالانتشار وبدأ المارة بالتحسر والتحدث عن جدي " أبي كرسي " وشهامته وحسناته... وقدرته التغلب على شلله بكل قوة وصلابة...
اهتمامه الفائق بكرسيه أخذ كل وقته، عامله كمرافق شخصي دائم... أطلق عليه اسم " الحصان "... وغالباً ما كان يعامله كشخص، كان قد لفّ على عارضته الخشبية قطعة قماش سمّاها " الطاقية "، لتمتص العرق الفائض من يديه المتعرقتين وقت المسير... وغلف أرجله بقطع معدنية وأطلق عليها " الحوافر" لتزيدها صلابة، وتحميها من التلف أثناء الشتاء من المستنقعات الطينية المتناثرة على طول الطريق، هذا الحذاء المعدني بصوته الرنان هو من ساهم بلصق لقب " أبي كرسي " على جدي طيلة حياته، فقد غدت نقرات " الحوافر " عالية على الإسفلت، تفصح عن قدومه وذهابه الباكر، وغالباً ما كانت تقلق نوم أهل الحارة وهدوءَها، فالصوت عال وينقر بإيقاع على الأرض يسمع أهل الحارة كلها.
أٌلصقٌ ورقة نعي أخرى على جدار المقهى القريب....
يمسك بكرسيه من الخلف... ثم يقذف به للأمام قليلاً ويرمي بجسده على ذراعيّ الكرسي جاراً وراءه كتلتين من اللحم، هكذا يسير جدي مع حصانه، يفتح باب البيت ويخرج متنقلاً على إيقاع الحوافر، لم يحتج جدي لمساعدة من أحد ولم يكن راغباً بطلبها، فعند دخوله المقهى المزدحم... يختار أي طاولة... يرمي بحصانه للأمام ثم يمتطي " السرج " ويجلس هناك ساعات طويلة...
وكرسي جدي أيضاً سريره الذي ينام عليه بجانب أكوام البطيخ، ملتحفاً غطاء يلفهما سوياً فيظهرا كفراشة تحاول الخروج من شرنقتها، وهو عربة ينقل بها أغراضه فالغطاء الذي يلفه ليلاً على جسده، يستخدمة نهاراً كصرة طعام يضع بداخلها الخبز والخضار ويرميها على " السرج "...
ازداد اللغط، في الحي وعم الخبر أرجاء المكان، وصار الجميع يعرف بالوفاة...
أٌلصقٌ على عمود كهربا ء خشبي قديم ورقة أخرى...
أقف قليلاً وأتأمل وجوه المارة المكتسية لون الرماد، هل هو حزن على رحيل " أبي كرسي" ؟... أم هكذا عادتهم في استقبال صباحات أيامهم الخريفية؟...
كم مرة طلبت منه أن يتكئ عليّ كي أساعده؟... وينهرني، غير راغب بأية خدمات... ثم يضمني بيديه الحارتين اللتين بدت عروقمها بارزة بلون أخضر، وبشرة سمراء ناعمة شقت خطوط الزمن مجراها عليها...
أعود مسرعاً للبيت لأساعد والدي ببقية إجراءات الدفن، بعدما انتهيت من إلصاق أوراق النعي كلها... أدخل الحارة لأجدها مليئة برجالات الحي ونسوتها المتشحين بالأسود... أسمع أصوات نواح مكتوم... وهمهمات حزن، وأقوال مأثورة من هنا وهناك تتكرر من وقت لآخر... أدلف بيتنا لأجده يفيض بالأقارب والمعزين... والدي يقدم القهوة المرة ويستقبل الجموع، وأعمامي مشغولون بتوزيع كراسي من الخيزران حول باحة الدار بشكل منتظم لإجلاس المعزين...
بعضهم من يهب فجأة عن كرسيه الخيزران بعد أن يجلس عليها، وكأنه يجلس على مسلة أوقطعة صفيح ساخنة، وذلك لمجرد تخيله " أبو كرسي " كيف كان يجلس على كرسيه الأزرق...
أنسلّ من بين الجميع لألقي نظرة أخيرة على جدي، ولأعرف ما استقر به الأمر وأي قرار قد اتخذ بشأن وصيته... لأجد باب غرفته مغلقاً... أقترب من الباب أكثر... أسمع أصواتاً غريبة بالداخل... أنظر من ثقب الباب فألحظ مجموعة رجال حاملين قطناً وقماشاً أبيضَ... جلت بعيني كل أرجاء الغرفة علني أرى جدي لآخر مرة... لأجده داخل صندوق خشبي ملفوف برداء أبيض فضفاض، لدرجة أنه أخفى طريقة وضع الكرسي الذي لازمه طيلة حياته والآن مماته...


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة