الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

الحلم الأخير لأبي مسعود

الحلم الأخير لأبي مسعود


الساعة السادسة صباحاً...
...... يتابع أبو مسعود حلماً بدأه منذ عقد ونصف:
يذهب وأخوه لقبر والده، ينبشه ويأخذ مفتاح مخزن الحنطة من يده، يضع المفتاح في مؤخرة حمار يلقاه في الطريق، يسكب فوقه المازوت ويشعله بعود ثقاب ويدعه يعدو لرماده... يظهر مديره فجأة بجانبه... يطفئ السيجارة بعينه ويقذف به من النافذة.
تناديه أم مسعود :
- : استيقظ يا أبا مسعود... لقد تأخر الوقت.
يأخذ أم مسعود إلى المستشفى.. يعالجها خمسة أطباء... يشهد معهم العملية الجراحية لديّسك عمره عشرون عاماً، يضع على السرير الآخر بقرة كبيرة كأجور لأتعابهم، يحمل أم مسعود على ظهره ويقفز لبيت أهلها، يطلب يدها من أبيها المتوفى، يفتح الأب الباب ويثرثران بأمور عامة عن الجيران.
- : يا أبا مسعود... أستيقظ... ألا يكفيني عمل البيت ومشاكل الأولاد؟...
يمسك بيده قطعة خشب ويصلح باب الحمّام لديه، فهو مخزن ذكرياته، ففي غرفة الحمّام كانت أول " قتلة " يأكلها من والده عندما تحرش بإحدى فتيات الحارة، بالمكان نفسه أختبأ عندما سرق طائر الحمام " الستيتية " من على سطح جارهم، وأول اكتشاف لجسد أنثى تم من خلال هذه الغرفة الصغيرة...
يأتي والد أبي مسعود ويمسك بيده ويذهبان لبيت خالته ليزوجه ابنتها، ينتفض من الكرسي ويهرب مخالفاً رأي والده... وينام يومين على شجرة التوت خوفاً... يظهر رجال الحارة وبيدهم عصي من خشب يبحثون عنه في كل مكان، يقاتل الجميع ويدحش العصي في مؤخراتهم، ويقبّل يد والده ويدعوه ليشرب كأس " متة " على سطح البيت ليكسب رضاه.
- : الله يوفقك يا شيخ، اشعر بي قليلاً، والله لست قادرة على رفع صوتي أكثر... دائماً تتأخر بسهرك وأنا آكلها بجلدي في الصباح.
في أول يوم لزفافه، يدخل وأم مسعود غرفة المنزل الذي ورثه عن والده قبل وفاته بأشهر... ويعلن زواجه منها أمام المرآة... ويطلب منها أن تعطيه ولداً بسرعة... يجلب الداية أم حسن لمساعدتها على إخراج المولود بسرعة... بهدوء تناوله الداية المولود من خلف الباب... فيعطيها ثلاثة أكياس كبيرة من الحنطة، تضعها على ظهرها وترحل...
يأخذ الولد ويقفز به لقبر والده لينبئه بقدوم ولي العهد الذي سيحمل اسمه ويخلّد ذكراه... يبقى على القبر ليلتين، ينسى خلالهما الصغير"مسعود" جائعاً بحضنه، وأم مسعود في غرفتها تنزف وتستغيث، يلوم نفسه كثيراً... يطرق رأسه بالحائط ثلاث مرات ندماً... يسيل دمه فيغمى عليه.
- : يا أبا مسعود... أتعتقد نفسك عريساً جديداً... استيقظ... لتجلب لنا الخبز واللحم... فاليوم سأعد لك وللأولاد أكلتكم المفضلة.
تتحرك عيناه قليلاً تحت جفنيه عند سماعه اسم الأولاد، ويشعر برائحة الحبق تدخل أنفه من خلال النافذة التي ينام تحتها في صالة البيت...
ويتابع حلمه...
يجلب من إحدى محلات القرية صباغاً أزرق ويدهن بها كل بيته، حتى الشجرة الكبيرة في الحوش يحولها لشجرة زرقاء... ثم يقف على سطح داره ويصرخ دون أن يخرج صوته، وكأنه يحرك شفتيه للأعلى والأسفل فقط، ودون أن يسمعه أحد، معلناً عن قدوم الابن الثاني.
نسمات الهواء التي تلفح بشرة وجهه وأصابع قدميه المكشوفتين من تحت الغطاء، تمتزج بعطر الحبق المنتشر بالجو من كثرة تحركات أم مسعود أمامه أثناء ترتيبها المنزل... استنشق قليلاً من هذه النسمات ليرى أولاده وقد شبوا رجالاً مع ذرياتهم وملؤوا البيت بالصياح والمشاغبات والعبث، يقفز مباشرة لسطح بيت ابن خالته ويرمي له بخمسين ليرة على أرض المنزل، كان قد استلفها منه قبل ولادة بقرتهم التي يدّعون بأنها لا تموت، والتي لا تنجب سوى عجولاً، والتي شهدت كل أحداث أسرته... ورمى له بورقة كتب عليها شتائم كثيرة من تحت الزنار، تطاله وتطال أسلافه وأسرته، كان يخجل أن يبوح عنها في العلن، فقط لأنه أقسم لمدير مدرسته في الصغر أن لا يشتم أو يسب أحداً بصوت عال في ساحة القرية.
سفره إلى المدينة لم يغير من طباعه ولا من قدراته المالية شيئاً، يعود إلى زوجته على ظهر الباص القديم للقرية ومعه راديو بيده، وسلة كبيرة محملة بالفستق المملح الذي يحبه كثيراً.
يدخل القرية ليجد رجالها ونساءها يسيرون باتجاه الساحة الكبيرة وهن يزغردن، وفي مقدمتهم رجال يحملون نعشاً كبيراً ملفوفاً بقماش أبيض ومطرز بعصافير حية، خيطت من اجنحتها... وعلى رأسهم رجل عجوز، يحمل رسالة طويلة يقرأها على مسمع من الجميع، يتقدمهم ويقفز فوق النعش ويفتحه، ليفاجأ بوجه والده داخل الصندوق.
- : يا أبا مسعود... انتهى الموضوع من ليلة أمس... أم أنك تريد أن تجعل المسألة شخصية؟... يا سيدي لقد أخطأت بحقك وأطلب منك السماح...
يقترب من أم مسعود في إحدى لحظات بعد الظهر، وهي جالسة على بساط صغير، ترضع ابنها الثاني، يمسك بيدها ويبدأ بتمسيدها والضغط على أصابعها وأكتافها وكل جسدها، وكأنه يحاول إخراج كل الأمراض التي علقت بجسدها على مر تلك السنوات...
وتقترب الساعة من السادسة ودقيقة واحدة...
تهب نسمة أخرى ممزوجة بالحبق وتدخل أنفه وتعصف داخل رأسه... ليرى باب بيته يفتح ببطء شديد ليدخله نور عظيم، هل ستدرك أم مسعود كم يحبها؟... وهل ستعرف أين وضع المفتاح الذي خبأ فيه ما جناه طيلة عمره... لم يسنح له الوقت ليخبرها... لم تترك له فرصة أبداً ليتكلم أثناء جلساتهم الهادئة...
"هل تتزوج أم مسعود من رجل غيري؟...هل سيتذكرني الأولاد عندما يكبرون؟... وهل سيطلق اسمي على حفيدي؟"... كان يسأل نفسه عندما وقفت ذبابة على إصبع قدمه وأخذت تأكله، شعر بها تنهش جسده ولكنه لم يستطع تحريك جسده الدافىء تحت الغطاء، ولا تحريك شفتيه لينادي على أم مسعود كي تبعد الذباب عن أصابع قدميه.
- : لم يكن في نيتي أن أزعلك أبداً... لكن المرض والأولاد وعمل البيت... وأتيت أنت بطيورك ووسخها الذي ملأ البيت، لتزيد الحمل على كاهلي...
لم يكن من المفروض أن تنهريه يا أم مسعود أمام الأولاد، وتصفيه بالفاشل، وبأنه طوال حياته لم يستطع أن يصنع شيئاَ جيداَ... : " أيعقل أن تصبح أباً ولا تزال تحتفظ بهذه الطيور، التي لا نجني منها سوى الوساخة، واستنفاد ما لدينا من حنطة... "
لعمرك في الصباح وعندما أنهض من النوم، سأطيّر كل الحمائم لديّ دون رجعة... وسآخذ الحنطة التي في الأقفاص وسأذهب للبيدر... سأفلح الأرض وأنثرها، وأعود بغلّة عظيمة، سأبيعها وأبني للأولاد بيتاً على السطح بدل قن الطيور... سأدهن لك البيت والشجرة الكبيرة في الحوش كلها بلون أبيض بدل الأزرق... وسأتوقف عن التدخين الذي طالما أزعجك ونكّد عليك نومك... وسأعمل مختاراً للقرية كي تفتخري والأولاد بي أمام الجميع... وسأفتح سبيل ماء بقرب بيتي، كي يترحم عليّ كل من يمر بجانبه .
يحاول أبو مسعود تحريك إصبع قدمه التي أصبحت باردة، لكن دون جدوى... تحريك عينيه تحت أجفانه أصبح أصعب... والذباب بدأ يتزايد على قدميه وأنفه... وأخذ يرى نوراً أبيضَ داخل السواد الذي يلف أجفانه... وطيوراً بيضاء تأخذ بالرحيل نحو السماء... يهمس لزوجته بسره... أحب الأولاد... وأحبك...
- : ألا تريد الاستيقاظ يا با مسعود؟... قم لتنثر الحنطة للطيور...قم وانظر إليها فقد أصبحت في السماء...


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة