الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

ارحل قبل المغيب

ارحل قبل المغيب


رسالة إلى صديق –
خريف عام 1999:
جفف نفسك جيداً، وادهن رأسك بزيت ضد العودة، احزم أمتعتك بقوة وضع ذاكرتك داخل الحقيبة، اقتلع ما تعلمته وارمه على السقيفة، أغلق صنبور الماء وأوصد الباب بإحكام ولا تنسَ قطع الكهرباء كي لا تصاب بصدمة حضارية، احجز سريعاً وارحل قبل المغيب فأنت ذاهب حتماً إلى الجنة.
ما وعدوك به كذب وما فعلوه بك حقيقة، غادر بؤرة البؤس لباب النور، اترك الحمراء القصيرة والشرق الوطني لعالم بنكهة المارلبورو، تخلص من سرافيس مدينتك لسيارات المرسيدس، دع بقال الحارة وشأنه لأكبر مول بالشرق الأوسط، اهجر مدفأتك فلا حاجة لك بها، هنا الكثير من الشمس والرطوبة لتذوي، اترك بيتك القديم في شارعك القديم وتعال إلى أعلى برج بالعالم، انزع عنك رائحة المكان فعطور باريس غاليري بانتظارك، واخلع جلبابك وكوفيتك فها هو بييركاردان بالانتظار، ما وعدوك به كان كذباً بلون الرماد وما ستراه هو حتماً الجنة.
وعدوك بعمل بعد الدراسة، وأنك ستشتري دواءً لوالدتك المريضة منذ سنين، ولإخوتك ملابس جديدة ليوم العيد، ولوالدك دكاناً صغيراً بعد التقاعد، لا تنتظر كثيراً ولا تهدر وقتك بين درجات السواد والرمادي، أفرغ جيوبك من قروشك القليلة وأهلاً بك في أرض الدولارات، أهلا بك بفقرك وبغناك، وأهلاً بك بجهلك وعلمك، بحمقك وذكاك، بطيشك ورزانتك، بنزقك وهدوئك، هنا لك موقع قدم بما فيك وما لديك، فالماكينة كبيرة وتحتاج للكثير من أمثالك، اترك كتبك وراءك فلديك الكثير لتتعلم، واترك صديقتك خلف ظهرك فهنا الكثير لتتعرف، واخلع حذاءك وكنزة الصوف عند مدرج الطائرة فلا حاجة لك بها، أنت قادم حتماً إلى الجنة.
عند أول محط قدم سلم نفسك وجواز سفرك لأول رجل يهتم بك وبشؤونك، هو راعيك وحاميك الأهم، وعند الصباح توجه مباشرة لفتح حساب مصرفي باسمك كي تضع غلتك بعد الحصاد فيه، واستبدل شهادتك الجامعية بشهادة السواقة فهي من ستحميك وتوصلك لهدفك المنشود، وبدّل هويتك الشخصية ببطاقة ائتمانية فهي تذكرة دخولك حتماً للجنة.
ستحصل على ما تريد وتأخذ ما تريد وتفعل ما تريد، وما عليك سوى أن تدخل في سلسلة من المنظومات الخوارزمية الالكترونية التي ستقودك بالمنطق والعقل لما تنشده البشرية من الحياة.
ستقول في نفسك:
- : ما المقابل لكل هذا؟!!!.
لا شيء صدقني، فقط اتبع بدقة قاعدة البيانات وصكوك التعليمات التي ستتلى عليك لتوقع عليها، هناك شيء أخير أوصيك به: كن رقماً صحيحاً غير مسبوق بفاصلة ولا تحاول أن تخرج عن مسار الديجيتال المرسوم لك، إنه طريق الخلاص.

اعترافات صيف عام 2009:
ها أنت هنا بعد عدة أعوام من دخولك أرض الجنان وفردوس النعيم، معتقداً نفسك سيلفر مكتشف جزيرة الكنز، وأنك خضت الامتحان بنجاح واجتزت اختبار عتبات العولمة بتفوق، إني أراك متعباً أجهدك العمل وأرهقتك الطريق وأنهكتك القروض، وإني أراك مكدوداً مكبلاً بالأرقام ومقيداً بالحسابات، لا بد وأنك كنت مطيعاً، مرتباً، منظماً، مبرمجاً، وتدفع ضرائبك بانتظام.
نسفوا ذاكرتك وأعادوا صياغتها من جديد، أدخلوك في متوالية من أنظمة الكترونية وبرمجيات معقدة داخل حواسيب عملاقة، وغدوت رقماً لا يتعدى مجموعة بيتات أو بايتات، وضعوك داخل أرتال وأنساق من البيكسلات وفأر تجارب لآخر ما ابتكرته شركات البرمجة، وأغلقوا عليك الطريق بعدة باسووردات مشفرة.
دعني أعترف لك يا صديقي بأني خنتك وخنت براءتك وفطريتك وغدرت حياتك وجاهليتك وجعلتك خنوعاً صاغراً قصير القامة، وضعتك عزقة صغيرة في ماكينتهم الكبيرة، ورقماً في سجلاتهم، وحبة رمل داخل أبراجهم، وأهدرت عمرك على الطرقات بين مبنى عملك الشاق لتسع ساعات وسوق تجاري مجبر على الشراء منه لتحرك رصيدك ولتظهر قوة هويتك وشخصيتك ببطاقتك الائتمانية، ومنزل يريحك من أعباء العمل لتستعيد نشاطك ليوم جديد.
يا صديقي أرحني وأبقِ على ما تبقى منك، أنا من قال لك قبل أن تأتي احجز سريعا وتعال قبل المغيب أقولها لك الآن احجز سريعاً وغادر قبل المغيب فما كنته هناك حتماً الجنة.


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة