الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

تعلمي اللّغو يا أم ربيع

تعلمي اللّغو يا أم ربيع

ألف مبروك...
ها أنت وقد تزوجت بمن ترغبين، وأخذت نصف أملاكه مهراً لك... الفرحة كبيرة، ويوم العمر أمامك، فلا تبخلي بالورد والعطر وملابس الزفاف والسهرات... فما هو آت هي الحياة الرغيدة بحضن من سيلقب بأبي ربيع، فليلة العمر يهون كل شيء لأجلها.
نعم... ارفضي العيش هكذا، واطلبي منه السفر بعيداً، فأحلامك الوردية تستحق المغامرة...
نعم ارفضي أيضاً أن تحبلي وتلدي ربيعاً، إلا في بلد الغربة بلد السعادة والحياة الرغيدة، ولن تقبلي طبعاً بأي شكل أن يسقط رأس ربيع على أرض الوطن، مسقط رأس أجداده التي زعقت بوجههم الحياة ونكلت بتاريخهم المآسي...
الحمد لله على السلامة...
فمن تحبين مطواعاً بين يديك... وها أنت الآن على أرض الميعاد والحلم المنتظر، فألف مبروك على البيت الجديد والسيارة الجديدة... عليك الآن أن تحثيه على العمل بجدّ كي يؤمن لك حياتك التي ترغبين، فلتحبلي ولتنجبي ولتكن هذه الأرض مسقط رأسه... نعم مسقط رأسه...
ولكن أنسيت أمك أن تعلمك لغة اللغو؟...
تأكدي قبل أن تخرجي بأنك نظفت بين أصابع قدميك جيداً، وأنك وضعت أحمر الشفاه التي تثير جارك في المبنى عند كل مرة تقابلينه فيها في المصعد، وتأكدي أيضاً من وضع نفس العطر الذي تستعملين... اقفلي الباب جيداً واخرجي يا أم ربيع بكل زهو وغنج... فالجارات بانتظارك ومحلات التسوق مفتوحة لك...
بعد عامين ونصف...
ضعي ربيعاً في غرفته وعلى سريره الهزاز واخرجي سريعاً، فالجارات بانتظارك لبدء الحفلة الراقصة، فاليوم دورك في العزيمة.
ربيع يبكي يا أم ربيع... اسمعيه... أم أنك مشغولة بالحديث عن مغامراتك الجديدة، وطريقة صنع اللحم بالعجين، والنقانق وآخر ابتكارات الشيف رمزي.
اسمعيه إنه يناديك... لا تتركيه وحيداً... خففي قليلاُ من اللغو مع جاراتك واسمعي ابنك... اسمعيه جيداً يا أم ربيع.
نعم... اتركيه كعادتك على سرير اللهو كما كنت تتركينه وحيداً لتذهبي للتسوق كما تدعين...
هو في منتصف عامه الثالث ويجب عليه أن يعتاد الوحدة والاعتماد على نفسه... طبعاً فهو ربيع رجل البيت القادم... وتطلقين وجاراتك ضحكة مدوية لتملأن البيت صخباً... ولتبدأ الحفلة...
ارفعي صوت المسجل عالياً، كي تسمعي صوت أليسا جيداً وكي يعلو على صوت ربيع وهو يناديك راغباً في الخروج... ارفعي الصوت جيداً فصوته عال في الغرفة الأخرى...
انصتي قليلاً لكلامه المبهم لعلك تدركين بأنه ملّ الوحدة ويرغب بالرحيل... صراخه أخذ يعلو... اسكتي ... فليس الوقت الآن للحديث عن متاعبك معه ليل نهار، وليس الوقت الآن لتلعني ساعة زواجك، وساعة وافقت معه على السفر، وساعة حبلتِ وولدتِ ربيعاً، الذي ملأ صراخه المكان.
هو ليس بمريض ولا يعاني من الحرارة، أسنانه لا تؤلمه، ومعدته لا تشتكي من جوع... إنه يعاني الوحدة يا أم ربيع.
قومي وارقصي... نعم هكذا... وتمايلي أمام جاراتك... وأريهن كيف يكون الجسد مطواعاً في النهار كما هو في الليل، ارفعي ذراعيك وارقصي جيدأ على أغاني المذياع ممزوجة بصراخ ربيع من الغرقة الثانية المطلة على الشرفة.
ما أجمل أجسدكن ولغوكن وكلامكن عن الرجال وفساتين الحفلات وآخر النكات عن الخيانات الزوجية!!... اضحكي ملء شدقيك فهو وقت اللهو واللغو...
اتصلي بأبي ربيع وأخبريه بأن يجلب معه طعاماً جاهزاً وبطاطا مقلية لربيع، لأنك مشغولة بضيوفك الأكارم من نسوة الحي... ضعي شال الحرير هكذا، وهزي الخصر وتمايلي كغصن الرمان... احكمي إغلاق غرفة ربيع جيداً كي لا تسمعيه ولا يسمعك... هزي الخصر جيداً، هزيه فنهارك طويل اليوم...
اضحكي جيداَ وتمايلي وارفعي ذراعيك عالياً وارقصي.
لا تنظري لربيع كيف يزحف تجاه الباب المطل على الشرفة، ولا تسمعي باب الشرفة كيف يفتح ببطء، ولا تشيحي بعينيك عليه كي لا تريه كيف يعلن الخروج كما كنت تخرجين، ولا كيف يعلن العودة كما كنت ترغبين، ولا تقلقي وهو يرفع جسده على حافة الشرفة... لا تنظري إليه وهو يعلن الطيران... ويقفز... لا تخافي عليه فهو رجل البيت القادم.
هاهو الآن يطير للأسفل... كعصفور خرج من عشه لأول مرة أمام الحياة.
لماذا لم تخبريه بأنك تقطنين الطابق السادس؟...
لماذا لم تخبريه بأن ريشه مازال زغباً خفيفاً لا يحتمل الطيران... وأن الطائرة بعيدة ؟...
اضحكي جيداَ وتمايلي وارفعي ذراعيك عالياً وارقصي.
الباب يطرق بقوة، افتحيه... افتحي الباب... افتحيه يا أم ربيع... فحارس البناية يعرف ابنك جيداً، وهو آت ليخبرك بأنه أعلن الهروب والطيران...
- : ماذا؟... ماذا تقول أيها المخبول؟... ارفع صوتك... ربيع بغرفته يلعب ومن المؤكد أنك مخطئ.
انظري من الناقذة الآن لتري من بالأسفل، اختلط الإسفلت بالدماء... والمارة محتشدون والعرس اقترب...
ما أنت بفاعلة الآن... أتطيرين وراءه أم مثله؟...
ها أنت الآن يا عروس وسط الحشود وربيع يتوسطهم كطائر مدمى...
أضحكي جيداَ الآن وتمايلي وأبقي ذراعيك عالياً وارقصي...
ولا تنسي أن تتصلي بأبي ربيع كي يلغي وجبة الطعام والبطاطا المقلية...
ولا تنسي أيضاً أن تتعلمي لغة اللغو يا أم ربيع.


 

ولو قدر لي أن أقف للحظة فقط، أن أجيب على الهاتف مثلاً، أو أن أنتظر مرور سيارة عابرة أمامي، أو أن أقف لأشعل سيجارة... حتما لوقع ربيع بأحضاني.                                " جانب مبنى الهجرة والجوازات – 2008 "


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة