الرئيسة هذا أنا أعمال فنية أدب أفلام - مقابلات مقالات - صحف صور غاليري الاتصال English

أقمشة رطبة

أقمشة رطبة

ترانا نسير لأعمالنا بأناقة شاعر... وبرتابة عارض أزياء... متبخترين في مشيتنا كديوك... متباهين بحللنا النظيفة كطواويس، دون أن نسأل عنهم أو نشكرهم وهم الذين يحملون الهم عنّا، والعبء عن زوجاتنا كي نأخذ وقتاً إضافياً للهو بأمور أخرى، يعيدون إشراقة ألواننا كي نسير بكامل زهونا، جنود مجهولون يقبعون في متاريسهم الرطبة كي نخرج للشمس بنشاط... إنهم هنا حولنا، نراهم عند الحاجة، ونسمع أصواتهم وقت الضرورة.
يتوه أتابور " العامل الأصغر" في مغسلة الأفق بين أكوام الألبسة والأقمشة وهو يحصيها لكتابة أرقام شقق أصحابها عليها خلف ياقاتها أوتحت أكمامها، ليجمعها مرة أخرى بعد فرزها حسب متطلبات الغسيل والكوي.
بغرفته الداخلية الصغيرة والتي يعبق منها خليط مقزز من روائح أجساد متعرقة وعطور من ماركات مستهلكة، تذهب به إلى الغثيان أحياناً، وإلى الخروج من المحل لاستنشاق هواء نقي أحياناً أخرى، بهذه الغرفة التي يسيطر عليها مزيج من الألوان المتسخة والتي تبدو كلوحة تجريدية لفنان مبتدئ، تؤلم العين وتخدش البصر، يجلس ويعمل بإيقاع آلة تخرج الملابس من طرفها الآخر مستوية، معطرة، نظيفة، وكأنها خرجت للتو من مصنعها الأم، وسلاحه الوحيد لمواجهة هذه التلال من الأقمشة هو مكواة ثقيلة من الحديد المصقول، وبخاخ ماء يرطب وجهه فيه أيام الحر اللاذع، يعمل بهدوء وهو يرطن بأغانيه التي حفظها عن والده...
لم يرغب أتابور في هذا العمل إلا لأنه لم يجد البديل في بلاده الخضراء التي رحل منها بعد أن خط شاربه على وجهه بدافع من والديه كي يعول بقية إخوته في حياتهم.
يستيقظ في الصباح على كومة أقمشة لينام في المساء على أخرى، فهي فراشه الذي يأوي إليه بعد منتصف الليل، يختار ما يختار من فساتين وعباءات وقمصان بأكمام وبلا أكمام وملابس داخلية بيضاء وملونة، وبسط مزركشة، وستائر بعدة طبقات، تنانير وبناطيل وبدلات من كل الماركات والأنواع... يمددها على الأرض ثم يمسدها بيديه... يتذكر حضن والدته وينام... ما كان يخفف وحدته وألمه هو أختياره الملابس النسائية ليتوسدها ويفغو بجوفها.
رنين الهاتف باكراً هو بداية نهاره مع عالم الألوان والروائح والأقمشة لتلبية الطلبات... وغدا يعرف كل أهل الحي من خلال ملابسهم التي نظفها وكواها لهم، وغدا يدرك أيضاً ماذا يفعلون وماذا يأكلون في منازلهم ولياليهم من خلال البقع التي يتركونها على ملابسهم.
فآثار الطعام والحلويات التي يتركها أولاد أم عمار المشاغبون على ملابسهم القطنية المدرسية ومرايليهم الملونة تثير لديه شهية الطعام وإحساساً بالجوع الدائم.
أما بقع الحبر التي تسبح على القميصين الوحيدين المصنوعين من الكتان لأستاذ المدرسة الذي يقطن وحيداً في المبنى قبالته، فكانت تزيد من حنقه وقرفه، حيث يجبر على تنظيفهما في كل مرة، كي يعيد هيبة الأستاذ أمام تلامذته.
وسهير العروس الجديدة في شقتها الجديدة صعبة المزاج، فملابسها نظيفة دائماً ورغم ذلك ترسلها مع أتابور قبل أن تتسخ، وتلك البقع على شراشف سريرها كشفت أحداث لياليها الحارة في شهر عسلها.
وعامر العامل في إحدى شركات المقاولات لا يرسل ملابسه للتنظيف إلا في المناسبات، فثلاثة بناطيل من الجينز مهترئة من بين أفخاذها، مع قميصين عليهما رسمة التنين الصيني، أحدهما مفتوق من تحت إبطه، يتداورهما في اللباس على مدار العام كي يوفر ثمن فستان عروسه في العام القادم...
وكوني أقطن وحيداً في شقتي، وكون رغبتي في الغسيل والكوي شبه معدومة جعلني أتعرف على أتابور عن قرب، فسحنته السوداء كلون الباذنجان، وأسنانه شديدة البياض كالقطن، مع نحل جسمه وقصر قامته، ميزه عن أبناء عمومته.
بنطاله الأسود مع قميصه الأحمر المزركش لم يبدلهما على مدى سنوات حتى حصلت معه تلك الحادثة التي غيرت طريقة حياته وتعامله مع الجميع.
فأبو محمود مدير عام إحدى الشركات الكبرى يقطن بنفس المبنى، والذي يرتدي كل يوم سترة جديدة وقميصاً جديداً بلون أسود كي يظهر في زي أنيق، والذي اعتاد تعليق بدلة أخرى في سيارته بشكل دائم ليلبسها عند الضرورة، وحساسية جسده تجاه ملابس البوليستر والديكرون ألزمته أن يختار المخمل والكتان كلباس دائم له...
وحين وجد أتابور في جيب سترة أبي محمود قطعة ورقية من قيمة الألف درهم عندما كان يجهز الملابس للغسيل ليلاً، لم يحصل حتى على شكر أو ثناء منه، بعد أن أعاد إليه نقوده دون أن يفكر لثانية بالاحتفاظ بها... ففقره وغربته لم تنسه تعاليم والديه قبل السفر.
اقتراب العيد الكبير... واتصالات أهله المستمرة لإرسال النقود لطعامهم... وراتبه الذي لا يبقى منه سوى قيمة اتصال واحد لأسرته خلال شهر كامل، جعلته يعقد العزم ويخرج أنيابه اللبنية بوجه قطيع الذئاب من حوله...
فكيف يكون دائماً على الجانب الآخرمن الشمس؟...
وكيف يكون ظلاً مرافقاً لأجساد الآخرين؟...
وكيف يشهد حفل اقتطاع أكبر قالب حلوى في العالم... دون أن يتذوق منه؟...
يدخل في الليل وحيداً غرفة الغسيل العابقة بالروائح، والبخار الخارج من الأنابيب الممددة في كل الاتجاهات، يتوجه لكومة الغسيل، يأخذ باختار بنطال و قميص من أشهر الماركات، ثم يتجه للقسم النسائي ليختار فستاناً ملوناً يبدو عليه هيئة الوقار بلونه الخمري، ويبدأ بتنظيفهم جيداً، ليقضي بقية الليل في غسلهم وكويهم... في الصباح يذهب لمكتب الشحن ويرسلهم لوالديه كهدية للعيد القادم...
حبه لزهرة عاملة المنزل في بيت أم خالد التي تعود لبيتها آخر النهار، أعطته فرصة إهدائها تنورة حمراء تعبيراً عن رغبته في لقائها في الحديقة العامة يوم إجازتها.
في الآونة الأخيرة أصبح أتابور يخرج كل يوم بمظهر مختلف وحلة جديدة مستعيناً بأكوام الملابس حوله، في غياب رب عمله الذي سافر لبلاده لثلاثة أشهر، يأخذها عادة كل ثلاث سنوات... يصفف شعره بعد أن يبخه بالماء، يختار ما يختار، ثم ينظر لنفسه يمنة ويسرة أمام المرآة... يحمل رزمة من الملابس التي جهزها لتوصيلها لأصحابها، يخرج متباهياً بنفسه ثم يعود بعد أن يأخذ أجرة التوصيل.
أيكون هذا أجره الذي ينتزعه من الآخرين لقاء خدماته المجانية بوجهه البشوش؟...
أم تعويضاً لسنوات خدمته في غرفة رطبة لم تعرف الضوء أبداً؟...


‹ رجوع

© جميع الحقوق محفوظة - الموقع الشخصي لـ بسيم الريس
تصميم و برمجة الحلول السريعة